اكاديمية سلينا لفرسان الادب

( شراك التنازلات )
*****************

فى 
   كثير من الأحيان 
   نكن نحن البشر النجاة على أنفسنا أكثر من جناية 
   أحدهم علينا ، بل وقد نمعن فى النيل من ذواتنا وما 
   تحويه التفاصيل من مفردات ورسوم وأثار . 
   ربما لا نجد فى ذلك غضاضة ، ولا غصة ، ولا عيب .
   فقد يكون لعمى الفلب ، وهوان النفس ، وترنح العقل 
   سببا لذلك ...
   قد لا يظن الكثير منا أنه واقع بالفعل فى شراك 
   ذلك وهو لا يدرى ، ولا يعى ، ولا يدرك حجم ما هو 
   فيه من خسارات فادحة . قد تصل إلى الغرق المحتوم
   والموت المحقق ، والذوبان فى غيابات الظلام والضياع
الكثير 
    منا تستهويه المقايضات ، حتى وإن كانت خاسرة 
    حتى وإن كانت ذات أبعاد وتاثيرات من شأنها النيل 
    من أبهة الهوية ، ورونق الذات ، وثنايا النفس .
    كم منا من تنازل عن سمته ورسمه ووصفه من أجل 
    حفنة ملذات متدنية القيمة والوزن والمعنى ؟
     كم منا من ذهب بكامل إرادته إلى ديار الغربة ، وراح 
     يحط فيها رحاله ، ويقيم فبها بلا زاد يشد هويته ولا
     ماء يروى جفاف ذاته وثناياه .
ليست 
     كل التنازلات على مثل هذة الشاكلة .
     لكن اغلبها يقبع فى مثل هذا الرسم المقيت .
     بعض التنازلات تمنح حياة للحياة . دون تفريط فى 
     سمت الهوية ، ولا نيل من التفاصيل والمفردات .
     ولا ندبات تترك اثارا لا تمحى ولا تزول ولا تذوب .
لكن 
     بعض التنازلات تتحول طواعية وبلا إدراك إلى مجرد 
     مقايضات تحتمل الربح والخسارة ، تحتمل النجاة 
     والهلاك ، تحتمل مواصلة المسير أو العودة من 
     منتصف الطريق ، تحتمل النور الساطع والظلام الممتد
     هكذا تكون المقايضات بيننا نحن البشر .
ما
     أقبح التنازلات التى تنال من هوية المرء .
     ما أقبح وأشد مرارة وقسوة من أن تتمزق عرى 
     المرء وتتناثر فى فضاء الغياب والغربة والتيه .
     إن مثل هذة التنازلات تجمد دم الحياء والعزة 
     والكرامة والكبرياء ، وتطمس كل بهاء وجمال ورونق
     يعلو جبين الإنسان وعنوانه ورموزه ودلالاته .
     لا يقع فى شراك الننازلات سوى مغيب وفاقد للوعى 
     والإدراك ، ومجرد من العزة والكبرياء والمعانى 
     السوية ، حتى وإن إدعى غير ذلك وراح يخفى ما 
     كشف عنه الغطاء . فبدت عوراته وسوءاته .
إن 
      التنازلات القائمة على مقايضات غالبا ما تقبع فى 
      جعبة الحماقات والسفه والدلالات ذات المعانى      
      والمغزى المترنح نحو هاوية الغى والهوى المعتم .
      ولا يقدح فى ذم مثل هذة التنازلات سوى مفلسى
      الروح ، وعديمى البصيرة ، ومتلونى الهوية .
      مثل هذة التنازلات لا تسمن ولا تغنى . ضرها يعلو 
      على نفعها ، تسبح فى مستنقعات الذل والهوان 
      والغيوم القابع قيها الجمود والتيه والشتات . 
      فكم من قلوب ذابت فى الموت والغياب ، وهى ما 
      زالت تنبض بالحياة ؟ 
      وكم من تنازلات ذابت فى شراك المقايضات ظن من 
      ذهب بخطاه إليها أنها مليئة بالربح والمقتنيات 
      الثمينة. لكنها صارت هباء منثورا ؟ 
      وكم من طائر حلق عاليا وعانق جبين الفضاء . ثم 
      سقط أرضا بعد أن خارت قوى جناحيه ؟ 
الحياة 
       مليئة بمثل هؤلاء ، وما أكثرهم .
       وفى الزحام والضجبج يتناثرون 
       ويملأون الطرقات والأزقة . يحاولون إخفاء معالمهم 
       وما علا جبينهم من ندبات رسموها بأيدبهم لا بيد
       غيرهم . يمتطون خيولا شاخت وذبلت خطاها .
        يرتشفون من مستنقعات الذل والهوان والخنوع 
        يظنون انهم ربحوا كل سباقات الحياة ونالوا ما 
        لم ينل غيرهم ، وإقتنوا ما لم يقتنيه أحد سواهم
        لكنهم فى حقيقة الأمر واهمون ومغيبون عن مرمى 
        النور ، وعن مرمى الحياة .
        مثل هؤلاء فى واقع الأمر من عداد الموتى 
        حتى وإن نبضت قلوبهم بالحياة .
        هؤلاء ماتت هويتهم ، وغابت عنهم روح الحياة
        حتى وإن بقوا أمد الدهر على قيد الحياة .

****************************************
                                                     خالد السيد

تاريخ النشر ٢٠٢٦/٦/١٨

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب