اكاديمية سلينا لفرسان الادب

نجوم كحبات المطر:- 
في بعض الليالي، لا تبدو السماء بعيدة كما نظن، بل تقترب من أرواحنا حتى نشعر أن النجوم تتساقط منها كحبات المطر، واحدةً تلو الأخرى، فتملأ العتمة بريقًا، وتمنح القلب شيئًا من السكينة التي نفتقدها وسط ازدحام الأيام.
وما أجمل تلك اللحظات التي نجلس فيها بصمت، نحدّق إلى السماء، فنشعر أن لكل نجمة حكاية، ولكل ضوءٍ بعيد ذكرى، وكأن الليل يفتح دفاتره القديمة ليعيد إلينا ما ظنناه قد غاب، وما حسبناه أن الزمن أخذه إلى الأبد.
فليس كل ما يهطل من السماء يُبلّل الأرض، فبعضه ينزل على القلب أولًا، كذكرى عزيزة، أو أمنية مؤجلة، أو اشتياقٍ لا يعرف كيف يهدأ. 
وهكذا تبدو النجوم في ليالي الانتظار كحبات المطر، تتناثر فوق صفحات الليل، وتوقظ في الروح حكاياتٍ ظننا أن الزمن أخفاها.
وفي كل مرة نحدّق فيها إلى السماء، نشعر أن هناك أشياء كثيرة تشبه النجوم، بعيدة في ظاهرها، لكنها قريبة من القلب، صامتة لكنها تتحدث بلغة لا يسمعها إلا من عرف الحنين. 
وكأن لكل نجمة رسالة، ولكل بريقٍ ذكرى، ولكل ضوءٍ خافت اسمًا ما زال يسكن الذاكرة.
وما أثقلَ الشوقُ حين يسكن القلب، فإنه يرى في المطر ملامح الغائبين، وفي النجوم أثر الأمنيات التي ف لم تكتمل، ويظل ينتظر شيئًا لا يعرف موعده، لكنه يؤمن أنه سيأتي يومًا، كما يأتي المطر بعد طول غياب.
وربما لهذا السبب نحب السماء في هدوئها، ونحب المطر في رقته، لأنهما يشبهان في بعض المشاعر التي لا نستطيع وصفها، لكنها تسكننا بصمت، وترافقنا مهما تبدلت الفصول.
فبعض الذكريات لا تعود على هيئة كلمات، بل تأتي كبريق نجمة، أو كرائحة مطرٍ عابر، فتوقظ فينا اشتياقًا هادئًا، وتترك في الروح أثرًا لا يعرفه إلا من حفظت قلوبهم تفاصيل الأمس.
ولأن الحياة لا تخلو من العتمة، فقد جعل الله في السماء نجومًا، وجعل في أرواحنا أحلامًا، حتى لا نستسلم للغياب، وحتى نتذكر أن النور لا يحتاج إلى الكثير، بل يكفيه أن يجد قلبًا يؤمن بوجوده.
وهكذا تبقى النجوم كحبات المطر، لا نملك الإمساك بها، لكنها تمنحنا جمالًا لا يُنسى، وتمرّ بنا بخفة، لكنها تترك في أعماقنا أثرًا يشبه الدعاء المستجاب، وطمأنينةً تشبه عودة الغائب بعد طول انتظار.
بقلمي: خديجة رمضان عبد النبي
تاريخ النشر ٢٠٢٦/٦/٢١

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب