اكاديمية سلينا لفرسان الادب
الجزء الثاني
نزيفُ ذاكرة ! _______________________________ رواية الجزء 2
كان المعرضُ في يومه الأخير ، كاد ذلك اليوم أن ينتهي بشكل عادي ، خميس كأي خميس مَرّ في هذا العمر ، دون أن تُصرّ على تسميتهِ باسمٍ جديد ، كانت العيون تومضُ بفرحٍ صغير ، أما أنا فقد كنتُ أحاولُ تجاوز ذاك اليوم ، أوفرُّ في عبوره أي إحساسٍ بالفرح ، لأصنع من ليلي بالذخائرِ المؤجّلةِ مهرجاناً لي وحدي ، كنتُ بذلك أؤجلُ أفراحي ، ألثمُ نثارها في الايام الثلاثة ، لأحتفلَ بها في وعدي لأصابعي معها ، كنتُ كلِصٍّ يسرق دون أن يجدر به إحصاءَ ما نالتْ يداهُ ، و قد غطّتْ غريزةُ الهربِ على سذاجةِ وقفةٍ ، يُقيّمُ فيها ثمن إحدى القطع ، فيُضيّعَهُ فرحُهُ بها .
انكفأتُ مُسنداً رأسي على ظهر كُرسيٍّ ، جلستُ عليه بشكلٍ معكوسٍ ، أنصتُ لصوت فيروز و هي تُعيدُ تسميةَ جسر الأحزان بجسر العودة ، هذا الصوت الذي ابتلعَتهُ فيما بعد أصوات طقطقات ألواح خشب الجسر تحت عجلات رجوعنا نحو وطن مسلوب ، و اشجارٍ فقدَتْ ألوانها ، و ذكريات دامعةٍ لجُدرانٍ متداعية كانت تُسمّى بيوتاً .. لم تكن تُثيرُ شيئاً فيَّ ، أهُزُّ رأسي مع إيقاعها ، لأنها فقط تجعلُ إحساسي اليوم يتكلّف ، و هو يحاول التصعّد في وصوله إلى قاعة أحاسيسٍ باتت في الذاكرة كصورة !
كانت غارقة في وقفةٍ صمّاء ، عيناها فوجئتا بي ، و كأنها كانت قد أوهمتْ نفسها بأنها تنظر إلى إحدى اللوحات ، فمزّقَ رأسي في نهوضهِ الصورة الموهومة ، حالة الإنجماد التي أصابتْ ثباتَ العينين على وجهي ، احتاجت كي تتحرر منها الى ثوانٍ عديدة ، مكّنتني من القبض على جوقةٍ من النظرات مُتلبّسة بالتصفيق لوجهي .. كانت ثوان من الندى و الجنون ، كأن الزمنَ قد تحجّرَ عند زاويةِ نظرها !
و كانت مجموعتها القصصية التي عنوَنَتها باسم ( هكذا يصعدون ) ، الممهورة باسمها : ( تأليف : يارا / من ادب المقاومة ) ، هي الأوفر حظاً لديَّ قراءةً ، بين العديد من الكتب المبعثرة في غرفتي ..
* * *
لقد كانت ، و منذ البداية ، تُسرجُ نظراتَها اللاهبة أعياداً و شموساً ، غابة من ضوءٍ ليس لعينيّ القدرة على تحمّلها ، أمتشقُ من مُقلتيّ نشيجاً أشبهُ بطلبٍ للمغفرة ِ ، ثم لا يرتدُ إليّ بصري ، حتى أجد أمامي المزيدَ من الحرائق الراجية تقفُ بباب دمعةٍ .. فتنبجسُ من تشققات الروح سيلانات غاشية ، تُغطّي مساحات أكبر من الوعي و القدرةِ على الادراك !
أهرب .. أتعب ، و لا تتعب عيناها ، و مناشدة القلب لباقي الجسد ، كي يتمرد على قسوة التصدي التي اجتهدتُ في تكلُّفِها ، كانت تصنعُ في دمي ثُقباً سيتّسعُ عما قليل ، لتُصبح الكُوّةُ المفتوحةُ اكبر من الجدار الذي كانت تتمددُ عليه ذليلةً بجسدها الصغير فراغاً .
* * *
أتعبُ ، فاهرب الى البحر ، أُريقُهُ في عينيّ ، و عيناها لا تصدقان أننا لا نستطيع فصلَ تتابع الموجات عن بعضها ، و لو نظرياً ..
كانت تفكر ، و أحياناً بصوت عالٍ ، كيف تنشأ الموجة ، تعلو ثم تنتحر على صدر أخرى ، الحدودُ مُراقة في مُخاطفةً عصيةٍ على المتابعة !
لم أكن قادرا على التقاط الوجوه الأصلية ، بعد أن أسدلَتْ على لُغتِها عِفّةَ الكلماتِ حجاباً .
تعودتُ معها القراءةَ الماكرة ، القراءةَ الخبيثة ..
طَوَتْ دفّةَ الكتاب ، و هي تُعلن بطريقةٍ مسرحيةٍ عن اكتشافها العظيم :
لا نقبل بما تُقدمهُ السطور ، نرفض ما تقدمه كوهلة أولى ، ثم نحفر هناك بعيداً عما تطالهُ العيونُ .... عيون " العاديين " .
و كنتُ أحاول أن أبتسم ، أن أُضيء حالةَ دهشةٍ في جانبٍ واحدٍ على الأقل من وجهي ، الجانب الايمن من جسدي ، حيث كانت تجلس ، كنتُ أحاول ان أتفاعل مع الاديب الذي يسكنها ، علّي أصلُ بطريقةٍ ما إلى الأنثى فيها !
كانت تكتم انوثتها ، تلجمها بصمت مخنوق ، ربما كانت تؤجلها لصالح الاديب الثائر الذي يسكنها ..
كتبَتْ ذات كرنڤال غارقٍ في الحزن على جدارية الجامعة ، نصاً أدبياً ثُلاثياً رائعاً ، كان يجمع بين الشعر و القصة ، كان عميقاً ، اذكر أنه حملَ عنوان فرديات :
قرأه الكثيرون يومها، و راحوا يتحاورون في محاولاتهم لسبر دلالات النص ..
[[ _ فرديّاتٌ .. ____ بقلم يارا
_ فردية -1-
* تَوَجُّس !
الصبيةُ الزاهيةُ ، تلهو فوقَ أُرجوحتِها ، في حديقة المنزل ، بفرح وسرور ..
ألصبيُّ يُطاردُ حمامةً ، بين الأشجار ، بمرحٍ و براءة !
( أفعى سامّة تتَسلّلُ بين حشائش الحديقة .. بنعومةٍ ) !
طائر كناري في قفصٍ مُعلّق إلى شُرفةِ المنزل ، كان قد توقّفَ عن الغناء منذ بعض الوقت ، و أخَذَ يَفِرُّ من زاويةٍ إلى أخرى داخل القفص ، بتوجّسٍ و فزَع .. !
عجوزُ مُكَوّم فوق أريكتهِ في ذات الشرفةِ ، راح يرقُبُ طائرَ الكناري بقلقٍ ، وينبُشُ في أعماقهِ مكامِن الخوف والهلَع ، بينما تطفحُ على وجههِ علامات قُنوت العاجزِ ، واستسلام الكهولة .. !
( بين أغصان جُمّيزةٍ كبيرة ، كان يستترُ طائرُ بومٍ ، ويرصُدُ كل شيءٍ خِلسةً ، بعينينِ ماكرتين ) .. !
طفلٌ لم يبلُغ عامهُ الأول ، كان - يُزقزقُ - ضاحكاً ، مُشاكساً بيديهِ فراشاتٍ " تحومُ حَولَ لهيب " ..
في الأثناء ، حَوّمَ غُرابٌ أسود بُرهةً ، في سماء المكان بحركةٍ دائرية ، ثم مضى مبتعداً .. !!
_ فردية - 2 -
* ترقّبٌ مُشوّش !
ألأبُ ، يُحدّقُ إلى الأُفُقِ بقلقٍ شديد ، وتفكير عميق ،
و مُشَوّش .. !
ألأمُّ تَغمُرُ صِغارَها بنظراتٍ حانيةٍ ، مُتَوجِّسة ،
و مُشوَّشة .. !
ألأُخت الكبرى ، ترصُدُ الجميعَ ، ويتسارعُ نَبض قلبها ، وﻻ تَجرؤ على السؤال ، و مُشَوّشة .. !
ألأخُ ألأكبر ، عَلّمهُ والدُهُ ، كيف يخطو على الطريق ،
علّمه والدُه ، كيف يتحايل على الحياة ،
عَلَّمَتهُ المدرسة ، - تتابع - الفصول الأربعة ،
أخذَهُ - تداخُل - الفصول ، إلى رَعشة الجسد ،
وإلى أن يكونَ مُشوّشاً .. !
وأنا أعرف ، أنا أُُدرك ، أنا أتَبَصّر ، و أنا مُشوّش. .. !
_ فردية - 3 -
* خِلسة .. !
سعيد غَنّى لِسعيدة ، مقطعاً من أُغنية ( ألأيام السعيدة ) !
خالد عَزَف لخالدة ، مقطعاً من معزوفة ( لحن الخلود ) !
صابر صَبَّر صبرية ، بكلامٍ مأثور من حِكمة ( يا عيني ع
الصبر ) !
وسمير وَعَدَ سميرة ، بحفلٍ سامرٍ ، ذات انتصارٍ ، ( في سامرّاء ) !
ولكن ..
ﻻ أحَدَ يعلم شيئاً حتى الآن ، عن الوَشوشات المُطَوّلة ،
التي كانت تدورُ ( خِلسةً ) بين - ثائر وثائرة - !
غير أنهما ، وفي آخرِ وشوشةٍ بينهما ، قيل ، ( و ﻻ أحد
يعلم المصدر ) ، أنهما تواثقا على أمرٍ ما ، ( ثم انطلقا
مُسرعَين ) !
* ملاحظة :
ثمة لَغطٌ و وشوشات كثيرة ، تدور الآن خِلسةً بين الناس ،
حَول ثائر و ثائرة ، و .. ثَو .. ( عُذراً .. ﻻ أَحِدَ يعلم ) !!
و إنها لثورة حتى النصر ]]
* * *
كان هذا البحثُ يُجانبُ العثور ، يحاذيهِ أحياناً ، أشمُّ رائحةَ عطرها ، أحاول تتبّع ذبذباته ، علّي أصل إلى ذاك المكان السرّيّ الذي تُخبّيءُ فيه أنوثتَها .
و كنتُ أقول : المرأةُ مخلوقٌ عِطريّ
و كنتُ أعرفُ ، أن العطرَ هو سببُها ، و وظيفتُها !
و رأيتُ الأنثى فيها في تلك المرة ، كانت موجودة في تلك الوقفةِ في المعرض ، تجلس على حافة جسدها ، و ما أن اقتربتُ منها حتى تصعّدَتْ ، ثم سمعتُ نحيباً ، كانت قد بدأتْ تُواريها ، تلجمُ غريزتها التي تعوي داخل جسدها ، كنتُ أسمعها ، أسمعُ نداءَها الخفيّ ..
تبعتُها ، لكنني عندما وصلت ، كانت قد اختفتْ !!
* * *
و عند البحر ، كدتُ أسألُها : هل أقرأ الأنثى التي لا تقولين ؟
لكنني سألت : هل أقرأ ما تقولين بتلك الطريقة الماكرة ؟
أطرقتْ رأسها و هي تقبضُ على كلماتي مُتلبّسة بتهريب ما رفضتهُ هي دوماً ، ثم أجابت بنظرةٍ ممهورةٍ بطلبٍ للتوقف .
* * *
لم يكن استشهادُ أخيها ما ترك الأثر الذي أصاب أساس الأُسرةِ بالتصدّع ، لكنها جلسات التعذيب التي دامت لأكثر من سنتين ، قبل أن يُقرر المُحقق الذي كان يرسلهُ إلى حافّةِ الموتِ كل ليلةٍ - دون أن يسمح له بعبور تلك العتبة - أن يقتله !!
في تلك الأوقات ، كانت تضُجُ سماوات ، مخلوقات ، ألوانٌ تنفلتُ في عُواءٍ صلبٍ ، ممزوجٍ بانسحاب الأضواء و الأمطار من ذلك المكان العابق بحشرجة رجالٍ يُصلبون على صليبٍ دائريّ ..
في ذاك الوقت بكت الفتى الشهيدَ الذي كتبَتْ ، أكثر من بكائها أخيها ! ، كان فتىً شهيداً و ابن شهيد :
[[ أعراسك يا وطن ! __ بقلم يارا
لفَتَ انتباهها أن باب غرفة المكتب الخاصة بزوجها الشهيد ليس مُحكم الإغلاق ، فاندفعت إليها ، يحذوها الأمل أن تجد إبنها أمام صورة والده ، يناجيه كعادته اليومية
كانت على امتداد سنوات عمره الغض ، تسرُد عليه قصص بطولات والده ، تتلو عليه حكاية الوطن ، أخبرته عن صَولات والده ، الذي كان يقود خلية فدائية ، وكيف كان يوجع جنود الاحتلال الصهيوني بضرباته المحكمة.
وكثيرًا ما أدهشها ابنها بأسئلته حول العمل العسكري الذي برع فيه والدُه ، سألها عن التخطيط ، أخبرته عن المعلومات ، سألها عن التنفيذ ، أخبرته عن السرية ، سألها عن القائد والقيادة ، أخبرته عن الأخوّة ، سألها أخبرته ، سألها ، ..
وكان يكبر ، و يكبر ، كان يدخل غرفة المكتب الخاصة بوالده كل مساء ، يقف هو ووالدته أمام صورة الشهيد الكبيرة ، بالبزة العسكرية والشريط الأسود على زاويتهاالعليا ، كانا يقفان بانتباه ، ويؤديان التحية العسكرية ، ثم يخلدان إلى سيرته قبل نومهما .
وكان يودع والده بنفس الطريقة كل صباح ، قبل مغادرته البيت إلى المدرسة.
في الأشهر الأخيرة ، بدأت تلاحظ تغيّبه عن المنزل أكثر من المعتاد ، لاحظت تزايد عدد أصدقائه ، وتنبّهت لارتفاع وتيرة الزيارات بينهما !
كان إغلاقه باب الغرفة عليه وأصدقائه يثير قلَقها ، وكان صمتهم كلما ولَجَت عليهم الغرفة بوعاء الضيافة يقلقها أكثر !
ذاك الصباح، حضّرَت له الفطور ، دخلت غرفته لايقاظه ، فطالعها غيابه ، نادت عليه ، لا جواب ! ، بحثت في أركان المنزل ، لا أحد ! ، اقتربت من فراشه ، كان باردًا ومُرتبًا ، يبدو أنه غادر الفِراش منذ وقت طويل !
تملّكها شعور بالقلق وهاجس مرعب ، سارعت إلى الهاتف ، لعلّه عند أحد أصدقائه .
في الممر ، لفت انتباهها أن باب غرفة الشهيد ليس محكم الإغلاق ، ابتهلت أن تجده هناك ، اندفعت إليها ، كانت صورتان بانتظارها :
- صورة الزوج الشهيد ببزة عسكرية ، وشريط أسود
- صورة الإبن ، ببزة عسكرية ، وشريط أسود !
شهقت، وجثَت !!
رن الهاتف ، التقطت السماعة بيد راجفة ، صوتٌ رجوليٌ غير مألوف :
-- ألو ، ألسيدة ؟
ارتجف صوتها، وغمغمت :
-- مممعك ؟
جاء صوته لطيفًا ، دافئًا ، وخاشعًا :
-- أنا المسؤول العسكري للتنظيم
شعرت بانقباضٍ في صدرها ، وشبه غيبوبة تتسسلل إليها
فيما تابع المسؤول :
-- هنيئاً لكِ سيدتي ، ستتسابقُ إليه الحور العين ، كانت
عمليتهم ناجحة ومحكمة ، أذهَلوا العدو ، و أصابوه
بالصدمة ، سنزف الشهيد وإخوانه إلى الجنة غدًا !!
… فأنّت أنيناً مخنوقاً ]]
* * *
كانت تُخبّيء في دموعها مئات الأطفال ، كانت تُخبّيء شعباً كاملاً ، و في صدرها كلماتٌ مُضيئةٌ لا تنضُبُ أبداً ..
و في عينيها برقتْ نشوةُ كاتبٍ ، وجدَ لتوّهِ خاتمةً مُناسِبةً لقصةٍ عصيّةٍ على قفلتها :
- كان زين الشباب ..
هكذا كان يعوي القلب
: الشهيد زين الشباب .
و دمعة .
* * *
* يتبع
نزيفُ ذاكرة ! _______________________________ رواية الجزء 2
تعليقات
إرسال تعليق