اكاديمية سلينا لفرسان الادب

«كُلُّ الَّذِينَ قَطَعْتُ عَلاقَتِي بِهِمْ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى... هُمُ الَّذِينَ نَاوَلُونِي الْمِقَصَّ.»
قِصَّةٌ قَصِيرَة
الْمِقَصّ
كَانَ سَلِيمٌ يُغَادِرُ النَّاسَ بِهُدُوءٍ يُخِيفُ. لَا صُرَاخَ، وَلَا عِتَابَ، وَلَا رَسَائِلَ طَوِيلَةً. فَقَطْ يَنْسَحِبُ كَمَا يَنْسَحِبُ الضَّوْءُ مِنْ غُرْفَةٍ مَهْجُورَةٍ. فِي الْبِدَايَةِ كَانُوا يَصِفُونَهُ بِالْبَارِدِ، ثُمَّ قَالُوا إِنَّهُ مُتَكَبِّرٌ، وَبَعْدَ سِنِينَ صَارُوا يَقُولُونَ عَنْهُ: احْذَرُوا مِنْهُ... إِنَّهُ يَقْطَعُ الْبَشَرَ بِسُهُولَةٍ. وَكَانَ يَبْتَسِمُ فَقَطْ.
فِي إِحْدَى اللَّيَالِي الشِّتَائِيَّةِ جَلَسَ وَحْدَهُ أَمَامَ طَاوِلَةٍ قَدِيمَةٍ يُرَتِّبُ أَشْيَاءَهُ بِلَا سَبَبٍ. صُوَرٌ بَاهِتَةٌ، وَرَسَائِلُ مَطْوِيَّةٌ، وَسَاعَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ، وَمَفَاتِيحُ لِأَبْوَابٍ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً. ثُمَّ وَجَدَ دَاخِلَ الدُّرْجِ مِقَصًّا صَغِيرًا صَدِئًا. أَمْسَكَهُ طَوِيلًا... وَفَجْأَةً تَذَكَّرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تَعَلَّمَ فِيهَا الْقَطْعَ.
كَانَ فِي الْعِشْرِينَ، عِنْدَمَا خَانَهُ صَدِيقٌ أَقْسَمَ أَنَّهُ أَخٌ لَا يَخُونُ. وَقَبْلَهَا بِقَلِيلٍ، كَانَتِ امْرَأَةٌ تُطْفِئُ قَلْبَهُ كُلَّمَا أَشْعَلَ فِيهِ الْأَمَلَ. ثُمَّ جَاءَ قَرِيبٌ لَا يَتَذَكَّرُهُ إِلَّا حِينَ يَحْتَاجُ مَالًا أَوْ خِدْمَةً. وَرَئِيسٌ فِي الْعَمَلِ يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِهِ نَهَارًا... وَيَطْعَنُهُ لَيْلًا.
كَانَ يَتَأَلَّمُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَأَنَّ شَيْئًا يُقْتَلَعُ مِنْ صَدْرِهِ، لَكِنَّ الْأَلَمَ، مِثْلَ الْمَطَرِ... إِذَا طَالَ سُقُوطُهُ، اعْتَادَتْهُ الْأَرْضُ.
وَمَعَ السِّنِينَ، صَارَ أَسْرَعَ فِي الْمُغَادَرَةِ، وَأَخَفَّ عِتَابًا، وَأَكْثَرَ صَمْتًا، حَتَّى بَدَا لِلْجَمِيعِ أَنَّهُ وُلِدَ هَكَذَا.
حَرَّكَ الْمِقَصَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ بِبُطْءٍ، ثُمَّ ضَحِكَ ضَحْكَةً صَغِيرَةً مُتْعَبَةً، وَهَمَسَ لِنَفْسِهِ:
— يَا لَلْمُفَارَقَةِ... كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَكْرَهُ الْقَطْعَ.
ثُمَّ أَطْرَقَ طَوِيلًا، كَأَنَّهُ يَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ جَمِيعًا تَعُودُ مِنْ بَعِيدٍ...
وَقَالَ بِصَوْتٍ مَكْسُورٍ:
— لَمْ أُولَدْ بِهَذِهِ الْقَسْوَةِ...
هُمْ فَقَطْ، وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، كَانُوا يَضَعُونَ الْمِقَصَّ فِي يَدِي...
ثُمَّ يَنْدَهِشُونَ عِنْدَمَا أَتْقَنْتُ الْقَطْعَ...!!!
بقلمي
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
11 يونيو / حزيران 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب