اكاديمية سلينا لفرسان الادب

الجزء الاول من نزف الذاكرة
نزيفُ ذاكرة. ! _____________________________ رواية الجزء الأول
ألفصل الاول 

                                                الجاف الوحيد تحت المطر

        شيٌ ما ، أخّرَ وصولي 

       فوصلتُ متأخراً ..

      

                             * * *

     : استشهد عمر ..

وصلتُ متأخراً ..

وصلتُ في الوقت المناسب بالنسبة للفاجعة !

و رحلتَ أنتَ ، في وقتٍ لم يحتمل أن نكون في إحدى دقائقهِ معاً ..

و أما ما تبقى من وقتٍ ، فلم يسمح إلاّ بصورة واحدة لأحدِنا ، و بشريطٍ أسودَ يلفُّ عالمي ، قبل أن يمرّ بالزاوية العليا من إطار صورتكَ التي تتوسط صدرَ الحائط المقابل لسريري ، و ساعة جدارية بالقرب منها ، تتولى إعادة تقسيم الوقت الذي انتظرناه يوماً ، لكن هذه المرة .. بين جسدٍ و صورة !

  أجلسُ قبالتها الآن ، أحاولُ ضبط أجزائي على ايقاع دقاتها ، دقات مضت ، و أخرى أحاولُ منعها من أن تجيء ، و ما اعيشه الآن منها ، فشلَ محاولاتي في التخلص من زخَم الحضور ..

   هل كان فراغُ عودتي المنتظَرة .. ما دعاك لتملأهُ بعدم وجودكَ ؟ ، أم أن مجيئي كان بناء على فراغ سيسببهُ رحيلُكَ المتوقع !؟

  انا لم أطلب منكَ ألاّ تموت ، لكن كان عليكَ أن تنتظر قليلاً ، فرصةً أخيرة .. هذا كل ما كنتُ احتاجهُ ، علّي أستطيعُ فيها توقيت لحظةَ وصولي ، مُتزامنة مع لحظةٍ كنتَ تسحبُ فيها نظرتَكَ الأخيرة عن هذا العالم ، لحظة واحدة ، كنتُ مُستعداً فيها أن أُحمِّل ملامح وجهي كل ما كنتُ سأقولهُ لكَ ، كنتُ سأجعله يتحول إلى بركةٍ من دمٍ وصلاة !

  أهذي ، و أفكّر .. ترى ما هو الشيء الذي يراهُ الشهيدُ قبل أن تنطفيء عيناه !؟ ، إن ذلك ليس له علاقة بالمكان الذي ارتقى منه .. مساحة تحيط به ، تهبطُ فجأة ليرى كل ما كان يحلم به ، و ما كان يرتقي لحظتها من أجله ، و أسألُكَ بدموعي : لِمَ لم تنتظر ؟ ، فمقولة نهاية الأجل ، و بلوغ العمر نهايته المكتوبة ، أكاد لا استطيع تصديقها عنكَ ، فانسانٌ مثلك ، لا يمكنه أن يموت مُرغماً ..

  لماذا ترحل الآن ؟ ، و مَن تركتَ كي يغفر لي ، ليُزيلَ صورتَكَ الأخيرة التي علقت في ذهني قبل أن أغادر ! ، على الأقل ليحكي لي قصة ابتسامةٍ مَرّتْ على وجهكَ يوماً ، لأعرف أنكَ تابعتَ حياتك دون أن أكون قد سببتُ لكَ ألماً ربما بالغتُ في تصورهِ !

  مللتَ ؟؟

مللتَ من البقاء وحيداً هناك ؟ ، على الطرف الآخَر من حالة الإنتظار التي لا تُنجبُ عودةَ أحد ؟ ، فوصلتُ أنا بعد فوات الأوان .. و فوات عمركَ معاً !!

  أهفو إليكَ الآن أكثر ، أشتاقُ فيكَ صُراخاً كنتَ تُمهلني به عقلاً ينمو ، فتكبُتَهُ ، أشتاقُ فيكَ صمتاً لم تكن اللغةُ مؤهلة معهُ لتحصل على فرصة نقل نظرتكَ عبرها !

   في مثل هذه المساءات المُفعمة بالصور النازحةِ نحو الضوء ، يبدأ خيالي المحموم ، بالتمردِ على موجودات الغرفة ، و العلاقات القائمة بينها ، تتغبّشُ الاشياءُ و ترتخي ، تنثنى لتسمح لما بدأ يطيرُ منها أن يمُرّ ، تنحني لتُمرر أشعة زرقاءَ خافتة تتقاطر من النافذة ، كي تسقط على جسمٍ كان يجثمُ في العتمةِ وراءها ، لوثة تصيب عقول الاشياء فجأةً ، و هي تترنّحُ تحت موسيقى مُهترئة و مشوّهة ، تجذبها خبرات أخرى في تكوّنها و تشيُّئِها فتودُّ أن تكونَها ، الأدوار مُبدّلة بين عناصر التقمّص .. الأخذُ و المنحُ متلازمان في لُعبةٍ خرقاء لا تعني شيئاً للمنطق ، تخلّقات تعبثُ بها رغبةْ التقمّص لحيازة شكلٍ جديد أو لونٍ آخر ، و أجسام مُمتلئة برغبة التنائي عن كونها اهتزازات راعشة في البداية ، لا تلبث أن تهدأ فتستقر ، حتى تُعاود التصعد في شهوةِ أن تكون الآخَر ، و العيش داخل ما استهوتْ ان تعيشهُ ، شكلاً على الأقل .

  تعرجُ الاشياءُ في استحالة الوصول نحو الشكل المُبتغى .. خصوصية الشيء و تاريخ تكوّنه ، تُمرر التشوّه الى عملية التحول ، و تربصات اخرى تلحظُها فجاجةُ التراخي في الدماغ ، لتسمح لمخلوقاتٍ غريبة و نجومٍ مُلوّنة دخول هذه اللعبة ..

   يتداعى كل شيء … 

لحظة أبكي بحرقةٍ .. بمرارةٍ .. بعجز و دموع

و لحظة يهزأُ مني البُكاء ، رُبما يؤنبُني .. 

                      

                                * * *

   تنكسر العلاقات التي أفرزتها طبيعةُ الأشياء .. أشكالٌ لشخوصٍ مقلوبة ، مبتورة ، مُشعّة عند العيون ، تباينات هائلة في الأحجام ، تميُّعات و تفكك لكل ما اتصل ، تختفي حدود الإطار الخشبيّ ، و تعبثُ المُخيلةُ من جديد ، تستعيرُ من ذاكرةٍ مفجوعةٍ ، نصف جسدٍ .. ترتُقهُ بما صُوِّرَ منكَ رأساً و صدراً ، فتكتملُ أمامي أكثر من طيف ..

  أقتربْ الآن ..

  هل ستناولني سيجارة كعادتكَ ؟ ، لن أرفضها هذه المرة مُنكراً أني أمارس عادة التدخين السيئة ، ناسياً علبة سجائري و هي تصنعُ من قميصي مستطيلاً صغيراً عند الخاصرة ، هاتها الآن .. و لندخن معاً ، لنحترقَ معاً على مرأى من جذَواتنا المنطفئة ، و لنسهر هذه الليلة هنا - خارج براويزنا - ، و الاشياءُ تستغلُّ تعب دماغي ، و هي تتفلّتُ من حدودها و قوانينها ، و هي تذوبُ و تتحركُ مُبتعدة عن انغلاقاتها الأزلية ..

  تعال 

لم نعد نخضع للرياضيات ، فكل ما هنا أصبح هُلامياً مُتخلصاً من أضلعه و انحناءاته القسرية ، مُتحرراً من محيطاته .

 و إرهاق الذهن الأقرب إلى الهلوسةِ .. يمنحُها حركةً أسرع .

فلنقترب إذاً ، و لنجلس بالقرب منا بجسدين : أحدهما حيٌٌ يذوي ، و الآخَر نصفهُ طيف و نصفه صورة حائط .. 

و لِمَ لا نُفكّرُ في عِناقٍ مثلاً ؟!!

 " فكثيراً ما يكونُ الاحياءُ بحاجةٍ لحرارةِ أجساد الأموات " !

تعال ، فلم يبقَ لكَ عمر كي أسرق منه شيئاً ، و لم يبق لي وقت أعطيه لسواك !

                             * * *

  يقفُ بيننا شيءٌ لا أراه ، شيءٌ يُشبه لوح الزجاج الملتصق بصورتك في البرواز ، - ابتسامتُك الحالمة - كيف مررتها بهذه السهولة دماً ؟! ، كيف تعثُر على الحقيقةِ فجأةً دون أن تسأل أو تتعب !؟ ، كيف تتكشّفُ لكَ بهذه البساطة ، بهذا الوضوح ، و بوجهها الواحد !؟ 

 كان عليكَ أن تعرف كل شيءٍ لتُقرر أن ترحلَ بهذه الطريقة .

و أنا اليوم أضحكُ على نفسي فأقتلها ، أضعتُ عمري و أنا أبحثُ عن الوطن خارجَه ، فإذا به معك ، مُلككَ وحدكَ !

كيف لم أرجع لآخذ حُصتي منه و منكَ ؟ ، أجيُ مُتأخراً فاذا بي أرِثُ حُصّتَينا بسباقِ تتابعٍ عقيم ، لأبدأ الجريَ بكل هذا الحمل .. !

 كيف لي أن احمل شيئاً بهذا الثِقَل ، شيئاً كان يحملهُ شهيد ! 

فأرِثُ ماضٍ لِكِلَينا ، و حاضراً عقيماً لي وحدي. !!

* بتبع ج 2        تاريخ النشر ٢٠٢٦/٦/١٣

                               * * *

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب