اكاديمية سلينا لفرسان الادب
«نَحْنُ جَمِيعًا فِي الْبَالُوعَةِ، لَكِنَّ بَعْضَنَا يَنْظُرُ إِلَى النُّجُومِ.»
أُوسْكَار وَايِلْد
قِصَّةٌ قَصِيرَة
الرَّجُلُ الَّذِي يَنْتَظِرُ الْغُيُومَ
كَانَ الرَّجُلُ الْوَحِيدَ فِي الْحَيِّ الَّذِي يَشْتَرِي الْمَظَلَّاتِ صَيْفًا.
فِي كُلِّ عَامٍ، وَمَعَ أَوَّلِ مَوْجَةِ حَرٍّ، يَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ وَيَعُودُ بِمِظَلَّةٍ جَدِيدَةٍ، سَوْدَاءَ غَالِبًا، يُعَلِّقُهَا قُرْبَ الْبَابِ ثُمَّ لَا يَسْتَعْمِلُهَا.
سَأَلَهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ مَرَّةً:
ـ هَلْ تَخَافُ الْمَطَرَ؟
قَالَ:
ـ لَا، أَخَافُ الْأَيَّامَ الَّتِي لَا تُمْطِرُ.
ضَحِكَ الْبَائِعُ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ يُسَمِّيهِ: الرَّجُلَ الَّذِي يَنْتَظِرُ الْغُيُومَ.
كَانَ يَسْكُنُ غُرْفَةً فِي الطَّابِقِ الْأَرْضِيِّ، مُنْخَفِضَةً قَلِيلًا عَنِ الشَّارِعِ. كُلَّمَا هَطَلَ الْمَطَرُ دَخَلَتِ الْمِيَاهُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْأَزِقَّةِ الْأُخْرَى. وَكَانَتِ الْبَلَدِيَّةُ تَرْفَعُ الْأَرْصِفَةَ كُلَّ عَامٍ، بَيْنَمَا تَبْقَى غُرْفَتُهُ فِي مَكَانِهَا، حَتَّى صَارَ يَشْعُرُ أَنَّ الْمَدِينَةَ تَرْتَفِعُ بِبُطْءٍ وَهُوَ يَغُوصُ.
كَانَ يَضَعُ كُتُبَهُ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ، ثُمَّ فَوْقَ الْكُرْسِيِّ، ثُمَّ فَوْقَ الْخِزَانَةِ.
وَفِي إِحْدَى السَّنَوَاتِ اضْطُرَّ إِلَى تَعْلِيقِ بَعْضِهَا بِحِبَالٍ مِنَ السَّقْفِ.
قَالَ لَهُ أَحَدُ الْجِيرَانِ:
ـ لِمَاذَا لَا تَنْتَقِلُ؟
أَجَابَ:
ـ أَخْشَى أَنْ يَضِيعَ الْعُنْوَانُ عَلَى الْمَطَرِ.
كُلَّ مَسَاءٍ كَانَ يَصْعَدُ إِلَى سَطْحِ الْبِنَايَةِ.
لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَاذَا يَفْعَلُ هُنَاكَ.
بَعْضُهُمْ قَالَ إِنَّهُ يُصَلِّي.
وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِنَّهُ مَجْنُونٌ.
وَقَالَ الْأَطْفَالُ إِنَّهُ يُرَاقِبُ الطَّائِرَاتِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ، لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ شَيْئًا.
كَانَ يَجْلِسُ فَقَطْ.
وَفِي لَيْلَةٍ شِتَائِيَّةٍ، وَبَعْدَ مَطَرٍ طَوِيلٍ، امْتَلَأَتِ الْغُرْفَةُ بِالْمَاءِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى سَرِيرِهِ.
جَاءَ الْجِيرَانُ لِيُسَاعِدُوهُ.
وَجَدُوهُ وَاقِفًا وَسْطَ الْمَاءِ، حَافِيَ الْقَدَمَيْنِ، يَحْمِلُ كُرْسِيَّهُ بِيَدٍ، وَمِظَلَّتَهُ الْجَدِيدَةَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى.
قَالَ أَحَدُهُمْ:
ـ انْزِلْ... الْمَكَانُ يَغْرَقُ.
فَنَظَرَ إِلَى الْأَعْلَى وَسَأَلَهُمْ:
ـ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَمَرَ اللَّيْلَةَ؟
بَعْدَ أُسْبُوعٍ مَاتَ.
وَعِنْدَمَا فَتَحُوا غُرْفَتَهُ وَجَدُوا سَبْعَ مَظَلَّاتٍ مُعَلَّقَةً عَلَى الْجِدَارِ.
وَفِي دَاخِلِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ.
فِي الْأُولَى:
«لِلْمَطَرِ الَّذِي لَمْ يَأْتِ.»
وَفِي الثَّانِيَةِ:
«لِلشَّارِعِ الَّذِي نَسِيَ اسْمِي.»
وَفِي الثَّالِثَةِ:
«لِلنَّافِذَةِ الَّتِي لَا تَرَى شَيْئًا.»
أَمَّا الْوَرَقَةُ الْأَخِيرَةُ فَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا:
«إِذَا ارْتَفَعَ الْمَاءُ أَكْثَر، فَقَدْ أَصِلُ أَخِيرًا.»
بقلمي
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
28.يونيو.حزيران.2026م.
تعليقات
إرسال تعليق