أكاديمية سلينا لفرسان الادب
«لَا يَلِيقُ بِرَجُلٍ يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ أَنْ يَعِيشَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً.»
ـ دُوسْتُويِفْسْكِي
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
حِوَارٌ مَعَ دُوسْتُويِفْسْكِي
جَلَسَ الرَّجُلُ الْخَمْسِينِيُّ فِي غُرْفَةٍ هَادِئَةٍ، تَتَرَاكَمُ فِيهَا الْكُتُبُ عَلَى الرُّفُوفِ، وَتَتَدَلَّى عَلَى الْجِدَارِ صُورَةُ دُوسْتُويِفْسْكِي بِعَيْنَيْهِ الْغَائِرَتَيْنِ وَوَجْهِهِ الْمُتَعَبِ. نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
ـ يَا سَيِّدِي دُوسْتُويِفْسْكِي، بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: «لَا يَلِيقُ بِرَجُلٍ يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ أَنْ يَعِيشَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً.»
وَكَأَنَّ صَوْتًا خَافِتًا خَرَجَ مِنْ أَعْمَاقِ الصُّورَةِ، صَوْتًا قَادِمًا مِنْ شِتَاءِ رُوسِيٍّ بَعِيدٍ:
ـ نَعَمْ، قُلْتُهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ يَبْدَأُ بِخَسَارَةِ أَشْيَائِهِ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى؛ أَحْلَامَهُ، وَأَوْهَامَهُ، وَبَعْضَ أَصْدِقَائِهِ، وَشَغَفَهُ. وَيُصْبِحُ شَاهِدًا عَلَى انْطِفَاءِ الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ.
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ، وَقَالَ:
ـ لَكِنَّنِي تَجَاوَزْتُ الْخَمْسِينَ، وَمَا زِلْتُ أَحْتَرِمُ نَفْسِي.
ـ وَهَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ؟
ـ لَسْتُ سَعِيدًا دَائِمًا، وَلَكِنَّنِي مُتَصَالِحٌ. أَنَا رَجُلٌ مُتَعَلِّمٌ، أَحْمِلُ شَهَادَةً، وَلِي وَظِيفَةٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَمَصْدَرُ رِزْقٍ آخَرُ، وَلِي بَيْتٌ هَادِئٌ وَعَائِلَةٌ أُحِبُّهَا، وَأَعِيشُ بَيْنَ النَّاسِ بِسُمْعَةٍ طَيِّبَةٍ. لَا أُؤْذِي أَحَدًا، وَأُصَلِّي، وَأَقْرَأُ، وَأَشْرَبُ قَهْوَتِي بِطُمَأْنِينَةٍ. فَلِمَاذَا لَا يَلِيقُ بِي أَنْ أَعِيشَ؟
سَادَ الصَّمْتُ قَلِيلًا.
قَالَ دُوسْتُويِفْسْكِي:
ـ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ يَرَى الْحَقِيقَةَ عَارِيَةً، وَالْحَقِيقَةُ ثَقِيلَةٌ.
فَأَجَابَ الرَّجُلُ:
ـ بَلْ أَقُولُ إِنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ يَتَوَقَّفُ أَخِيرًا عَنْ مُطَارَدَةِ الْأَكَاذِيبِ. فِي الْعِشْرِينَ نَرْكُضُ خَلْفَ الْمَجْدِ، وَفِي الثَّلَاثِينَ خَلْفَ الْمَالِ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ خَلْفَ الْمَنَاصِبِ، أَمَّا فِي الْخَمْسِينَ فَنَكْتَشِفُ أَنَّ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ هَادِئٍ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ مَمْلَكَةٍ.
قَالَ دُوسْتُويِفْسْكِي:
ـ لَكِنَّ الشَّيْخُوخَةَ هَزِيمَةٌ.
فَرَدَّ الرَّجُلُ:
ـ الْهَزِيمَةُ لَيْسَتْ فِي الْعُمْرِ، بَلْ فِي الْفَرَاغِ. هُنَاكَ شَابٌّ فِي الثَّلَاثِينَ مَاتَ قَلْبُهُ مُنْذُ سِنِينَ، وَهُنَاكَ رَجُلٌ فِي السَّبْعِينَ يَزْرَعُ شَجَرَةً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ أَنَّ أَحَدًا سَيَجْلِسُ تَحْتَ ظِلِّهَا.
قَالَ دُوسْتُويِفْسْكِي:
ـ بَعْدَ الْخَمْسِينَ تَبْدَأُ الْخَسَائِرُ.
فَقَالَ الرَّجُلُ:
ـ نَعَمْ، نَخْسَرُ السُّرْعَةَ، وَلَكِنَّنَا نَرْبَحُ الْحِكْمَةَ. نَخْسَرُ الِانْدِفَاعَ، وَلَكِنَّنَا نَرْبَحُ الْبَصِيرَةَ. نَخْسَرُ بَعْضَ الْأَصْدِقَاءِ، وَلَكِنَّنَا نَعْرِفُ أَخِيرًا مَنْ كَانَ صَدِيقًا حَقًّا.
اقْتَرَبَ الظِّلُّ الرُّوسِيُّ مِنْ حَافَّةِ الْإِطَارِ، وَقَالَ:
ـ إِذًا أَنْتَ لَا تَخَافُ الشَّيْخُوخَةَ؟
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ وَنَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ:
ـ أَخَافُ الْمَرَضَ، وَأَخَافُ الْفَقْدَ، وَأَخَافُ الْوَحْدَةَ، لَكِنَّنِي لَا أَخَافُ الْعُمْرَ. لَقَدْ أَمْضَيْتُ نِصْفَ قَرْنٍ أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَكُونُ إِنْسَانًا، فَكَيْفَ تُرِيدُنِي أَنْ أُغَادِرَ الْحَيَاةَ عِنْدَمَا بَدَأْتُ أَفْهَمُهَا؟
سَكَتَ دُوسْتُويِفْسْكِي طَوِيلًا.
وَفِي الْخَارِجِ كَانَتْ شَجَرَةٌ قَدِيمَةٌ تُحَرِّكُ الرِّيحُ أَوْرَاقَهَا.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
ـ رُبَّمَا كُنْتُ أَتَحَدَّثُ عَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِنَ الدَّاخِلِ.
فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ:
ـ وَأَنَا أَتَحَدَّثُ عَنِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُولَدُونَ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ الْخَمْسِينَ.
انْطَفَأَ الضَّوْءُ فِي الْغُرْفَةِ، وَبَقِيَتِ الصُّورَةُ مُعَلَّقَةً عَلَى الْجِدَارِ.
أَمَّا الرَّجُلُ، فَنَهَضَ بِهُدُوءٍ، وَأَعَدَّ فِنْجَانَ قَهْوَةٍ، وَفَتَحَ كِتَابًا، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يَبْتَسِمُ:
ـ يَا سَيِّدِي دُوسْتُويِفْسْكِي، لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ أَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، بَلْ أَنْ يَعِيشَ خَمْسِينَ سَنَةً دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَحْتَرِمُ نَفْسَهُ...!!.
بقلمي
د.عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
24.يونيو.حزيران.2026م.
تعليقات
إرسال تعليق