اكاديمية سلينا لفرسان الادب
نداء الروح:-
تتعب الروح كما يتعب الجسد، لكنها لا تُحسن الشكوى ولا تعرف كيف تطلب الراحة.
فتكتفي بأن ترسل إلينا إشاراتٍ خفية،كحنينٍ لا نعرف سببه، وضيقٍ لا يفسّره شيء، وشعورٍ غامض بأننا لسنا في المكان الذي يشبهنا، ولا في الحياة التي تمنيناها يومًا.
فنمضي خلف الأيام، ونركض كثيرًا، حتى يأتي يومٌ تنادينا فيه الروح بصوتٍ لا يحتمل التأجيل، لتخبرنا أن العمر ليس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق، وأن الخسارة الحقيقية ليست في فقد الآخرين، بل في فقد أنفسنا ونحن نحاول إرضاء الجميع.
وذلك الصوت لا يُسمع بالأذن، بل يُحَسّ في الداخل، كأنه يوقظ سؤالًا قديمًا: إلى متى نظل بعيدين عن أنفسنا؟
فنظن أحيانًا بأن التعب يأتي من ثِقل الحياة، بينما الحقيقة أن أثقل ما نحمله هو ما لم نقله، وما لم نعيشه، وما دفنّاه فينا بصمت، دموعٌ ابتلعناها، وأحلامٌ أجلناها، وخوفٌ عطّل خطواتنا.
ومع ذلك، لا تموت الروح.
بل تظل تُشعل في القلب ضوءًا صغيرًا، لا ليُبهرنا، بل ليقودنا وسط العتمة، ويهمس بأن النور لا يحتاج أن يكون كبيرًا، بل صادقًا ليهزم ما يطفئنا من الداخل.
وحين نصغي إليها، ندرك أن السلام لم يكن بعيدًا كما ظننا، بل كان ساكنًا في أعماقنا منذ البداية، وأن القلب لا يحتاج إلى معجزات ليطمئن، بل إلى صدقٍ يعيده إلى فطرته الأولى.
فالروح لا تنادي عبثًا، ولا توقظنا من غفلتنا إلا لأنها تعرف أن في داخلنا حياةً أجمل مما نظن، وأن هناك بابًا من النور لا يُفتح إلا لمن امتلك شجاعة العودة إلى نفسه.
لا أعرف متى بدأت روحي تناديني، لكنها لم تتوقف يومًا.
كانت تختبئ خلف حنينٍ غامض، وصمتٍ طويلٍ يشبه التأمل، وكأنها تهمس: أما آن لك أن تعودي؟
وحين نصغي إليها، لا تطلب منا الروح أن نصبح أشخاصًا آخرين، بل أن نعود كما نحن، أن نتصالح مع ما مضى، أن نخفف عن قلوبنا ثِقل ما لم يُقل، وأن نسمح للحياة أن تمرّ دون أن نفقد أنفسنا من جديد.
وربما كانت كل الطرق التي سلكناها مجرد مقدمات، وكل الانكسارات دروسًا، وكل الانتظار إعدادًا لتلك اللحظة التي نلتقي فيها بذواتنا من جديد.
وعندها فقط نصبح أكثر هدوءًا، وأكثر قبولًا لأنفسنا، لأننا استجبنا أخيرًا…
لنداء الروح.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي
تاريخ النشر ٢٠٢٦/٧/١
تعليقات
إرسال تعليق