اكاديمية سلينا لفرسان الادب

أجساد مهاجرة:-
لا أعرف في أي لحظةٍ تحديدًا تبدأ الأجساد بالهجرة، ولا متى يصبح الوجه الذي نحمله كل يوم مختلفًا عن ذلك الوجه الذي عرفناه يومًا، ولكنني أعلم أن الحياة لا تمرّ فوق الإنسان كما نظن، بل تستقر فيه، وتترك آثارها في ملامحه، وفي انحناءة كتفيه، وفي خطواته التي لم تعد تركض كما كانت.
فليست كل الأجساد التي نراها قد وصلت إلى حيث تقف، فبعضها ما زال في رحلةٍ لا تنتهي، يحمل على كتفيه أعوامًا من التعب، ويخفي خلف ملامحه حكاياتٍ لم يسمعها أحد. 
وهناك أيضًا أجسادٌ هاجرت قبل أصحابها، وغادرت ملامحها الأولى، وتركت خلفها شبابًا سرقه الانتظار، وضحكاتٍ أطفأتها الأيام.
ويقولون إن العمر هو من يغيّر الوجوه، ولكنني لا أصدق ذلك ، فكم من وجهٍ شاخ قبل أوانه، لا لأن السنوات كانت كثيرة، بل لأن الهموم كانت أثقل من أن يحتملها الجسد. 
وكم من عينٍ فقدت بريقها، وكم من يدٍ ارتجفت من كثرة ما حملت دون أن تجد وقتًا للراحة.
فالأجساد هنا لا تهاجر إلى البلدان فقط، بل تهاجر من حالٍ إلى حال، ومن قوةٍ كانت تسكنها إلى إرهاقٍ أصبح جزءًا منها.
ولكنها هجرةٌ صامتة لا تحتاج إلى حقائب أو وداع، بل تحتاج إلى أيامٍ طويلة من الصبر، وخيباتٍ متكررة، ومساحاتٍ واسعة من الاحتمال.
والغريب هنا أن يتحول الجسد إلى دفترٍ تحفظ فيه الأيام كل ما حدث.فالتجاعيد ليست دائمًا أثر السنين، بل أثر اللياليالمتعبة،والشحوب ليس دائمًا علامة ضعف، بل قد يكون نتيجة أحلامٍ تأخرت حتى أنهكت أصحابها.
وأحيانًا أخري أنظر إلى الناس، فلا أرى وجوههم فقط، بل أرى الطرق الطويلة التي مشوا فيها، والأبواب التي أُغلقت خلفهم، والأمنيات التي أخفوها، والأيام التي قاوموا فيها الانكسار.
فهناك حكاياتٌ لا تستطيع الكلمات روايتها، ولكن الجسد يرويها بصمتٍ عميق.
فتخبرنا العيون بما أخفاه اللسان، وتحكي الأيدي عن سنوات العمل، وتروي الخطوات البطيئة أن الطريق كان أطول مما ظن الجميع.
فكل انحناءةٍ تحمل قصة، وكل ندبةٍ تخفي معركة، وكل ملامحٍ متعبة تشهد على رحلةٍ لم يرها أحد.
ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الهجرة أنها تحدث ببطءٍ شديد، حتى نقف يومًا أمام مرآةٍ قديمة، فنبحث عن ملامحنا الأولى، فلا نجد سوى آثار الطريق.
وكأن الحياة لم تكن تسير بجانبنا، بل كانت تنحتنا يومًا بعد يوم.
فلهذا لا تنظروا إلى الأجساد على أنها مجرد هيئة تعبر من أمامكم، فكل جسدٍ يحمل عمرًا لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد المعارك التي خاضها، والأحلام التي ودّعها، والمرات التي نهض فيها بعدما أثقله التعب.
فبعض الأجساد لم تغادر أوطانها أبدًا، لكنها هاجرت من زمنٍ إلى زمن، ومن قوةٍ إلى ضعف، ومن براءة البدايات إلى تعب النهايات.
ومع ذلك، تظل تمضي بصمت، تحمل فوق كتفيها رحلةً كاملةً لا يراها أحد...
ولكنها واضحةٌ لكل من يعرف كيف يقرأ الوجوه ، ويسمع صمت الأجساد.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي
تاريخ النشر ٢٠٢٦٦/٧/٩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب