اكاديمية سلينا لفرسان الادب
ما وراء الكلمات:-
ليست الكلمات دائمًا هي ما نقوله، بل كثيرًا ما تكون ما نعجز عن قوله.
فبين كل حرفٍ وآخر، تختبئ مشاعر لا تجد طريقها إلى اللسان، وأحاسيس أكبر من أن تحتويها اللغة.
فهناك قلوبٌ تتحدث بصمتها أكثر مما تتحدث بأصواتها، وعيونٌ تكتب اعترافاتٍ كاملة بنظرةٍ عابرة، بينما تعجز آلاف الجمل عن ترجمة ما يختلج في أعماقها.
وما وراء الكلمات عالمٌ لا يراه إلا من اعتاد الإصغاء إلى القلوب قبل الآذان، ومن أدرك أن الصدق لا يُقاس ببلاغة الحديث، بل بصدق المشاعر التي تسكن القلوب.
وكم من كلمةٍ قيلت بلا روح، فلم تترك أثرًا، وكم من صمتٍ كان أبلغ من الكلام، لأنه حمل بين طياته حبًا، أو وجعًا، أو اعتذارًا لم يستطع اللسان النطق به.
فلسنا بحاجةٍ إلى من يسمع حديثنا، بل إلى من يقرأ ارتجافة أصواتنا، ويفهم انكساراتنا التي نخفيها خلف ابتسامةٍ هادئة، ويُدرك أن بعض الأرواح تكتب وجعها بالحضور، لا بالكلام.
ولعل أجمل ما في الإنسان ليس ما ينطقه، بل ما يخفيه في أعماقه.
فهناك أرواحٌ تمضي بين الناس مبتسمة، بينما تحمل في داخلها حروبًا لا يسمع ضجيجها أحد، وقلوبٌ توزع الطمأنينة على الآخرين، وهي في أمسِّ الحاجة إلى من يطمئنها.
وهناك أيضًا تختبئ الحكايات التي لم تُكتب، والدموع التي جففها الكبرياء، والأحلام التي أجَّلها الزمن، والخذلان الذي تعلَّم صاحبه أن يبتسم رغم ثقله.
وحين نستطيع قراءة ما وراء الكلمات، ندرك أن القسوة قد تكون وجعًا متنكرًا، وأن الصمت ليس دائمًا جفاءً، بل قد يكون احترامًا للمشاعر، أو خوفًا من أن تفسدها الحروف.
لذلك، لا تتعجل الحكم على أحد من حديثه، فبعض القلوب لا تجيد التعبير، لكنها تُحسن الحب، وبعض الأرواح تكتب أجمل القصائد بصمتها، لأنها تعلم أن المعاني الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى صوت.
وإن الإنسان ليس كتابًا تُقرأ صفحاته من عنوانه، بل هو عالمٌ واسع، تخفي كل زاويةٍ فيه قصة، وكل نظرةٍ فيه اعترافًا، وكل صمتٍ فيه رسالةً تنتظر من يفهمها.
وما أكثر الذين يسمعون الكلمات، وما أقل الذين يدركون ما وراءها.
ويبقى ما وراء الكلمات هو المساحة التي تلتقي فيها الأرواح دون موعد، وتتعارف فيها القلوب دون أسماء، وتُقال فيها الحقائق بلا حروف.
وهناك أيضًا يصبح الصمت لغة، والشعور وطنًا، وتدرك الأرواح أن أصدق الحديث ليس ما نطق به اللسان، بل ما همس به القلب.
فالحروف قد تنتهي عند آخر السطر، أما المعاني الحقيقية فتبقى حيَّة، تسكن الذاكرة، وترافقنا طويلًا، لأنها وُلدت من القلب، وكل ما خرج من القلب... يصل إلى القلب.
بقلمي: خديجة رمضان عبد النبي
تاريخ النشر ٢٠٢٦/٧/١٢
تعليقات
إرسال تعليق