اكاديمية سلينا لفرسان الادب

بائعة الأحلام :-
لا أدري متى أصبحتُ بائعةً للأحلام، لكنني أعرف أنني منذ زمن وأنا أحمل في قلبي ما يكفي من الأمنيات لأوزعها على كل من أثقله الطريق.
وكلما رأيت وجهًا أنهكته الحياة، تمنيت لو أستطيع أن أضع بين يديه غدًا أكثر رحمة، أو نافذةً صغيرة يدخل منها الضوء إلى روحه.
يقولون إن الأحلام لا تُباع، لكنهم لا يعرفون أن بعض الأرواح تقضي عمرها كله وهي تمنح الآخرين ما يبقيهم واقفين، ثم تعود في آخر النهار خالية اليدين.
وربما كنتُ واحدةً منهن، لا أملك سوى قلبٍ امتلأ بالأمنيات، فأجمع الأحلام التي تسقط من قلوب المنهكين، وأعيد إليها شيئًا من الحياة، لعلها تزهر من جديد.
وكنت أيضًا أؤمن بأن الإنسان لا يعيش بما يملك، بل بما ينتظر، وأن الحلم هو أخر ما يبقى حين تتعب الروح، وأول ما ينهض بها إذا أوشكت على السقوط.
لذلك كنت أترك في طرقات الآخرين كلمةً دافئة، أو دعاءً صادقًا، أو ابتسامةً تخبرهم أن الغد لا يشبه الأمس، وأن الحياة، مهما اشتدت، لا تبقى كما هي.
ولكنني، كلما انتهيت من تضميد أحلام الآخرين، عدت إلى قلبي فوجدته أكثر صمتًا، وأكثر ازدحامًا بما لم يتحقق. 
فأجلس مع أمنياتي كما يجلس الغريب مع ذكرياته، أعيد ترتيبها مرةً بعد أخرى، وأقنع نفسي أن لكل حلمٍ موعدًا، وأن الله لا يترك قلبًا ظل وفيًا لأمنياته.
واعتدت أن أزرع الطمأنينة في قلوب الآخرين، بينما كنت أبحث عنها في داخلي.
وأمنح الجميع يقينًا لا أجده دائمًا في نفسي، وأرسم لهم طريقًا نحو الضوء، بينما أبحث عن نافذةٍ صغيرة تنقذني من عتمتي.
وربما لهذا كنت أشعر أن سعادتي تكبر كلما رأيت حلمًا يتحقق في حياة غيري، حتى وإن بقيت أحلامي واقفةً عند باب الزمن، تنتظر دورها بصمت.
ومع الأيام أدركت أن أكثر الناس عطاءً هم أكثرهم احتياجًا، وأن الذين يخففون أوجاع الآخرين قد يخفون خلف ابتساماتهم حكاياتٍ لا يسمعها أحد، وأن من يضيئون دروب العابرين قد يسيرون وحدهم في ليالٍ طويلة، يبحثون عن كلمةٍ تمنحهم القوة على مواصلة الطريق.
لكنني تعلمت أيضًا أن بعض الأحلام لا تتأخر لأنها بعيدة، بل لأنها تُهيَّأ لنا في الوقت الذي تصبح فيه قلوبنا أكثر قدرةً على احتضانها، وأن الانتظار، مهما أثقل أرواحنا، قد يكون الطريق الذي يعلّمنا قيمة الوصول.
لهذا سأظل بائعةً للأحلام...
لا أبيع الوهم، ولا أتاجر بالأماني، بل أزرع في القلوب يقينًا بأن بعد كل خيبة بداية، وبعد كل عتمة نور، وبعد كل انتظار لقاء.
وسأحمل أحلامي معي ما دام في القلب نبض، لأنني مؤمنة أن الإنسان لا يفقده التعب بقدر ما يفقده حين يتوقف عن الحلم.
وما دام في الروح متسعٌ للإيمان، فلن تنتهي الأحلام، وسيظل الأمل يجد طريقه إلى القلوب، وأن بعض الأحلام، مهما تأخرت، تعرف الطريق إلى أصحابها، لتصل في اللحظة التي تكون فيها الروح أكثر استعدادًا لاحتضانها.
بقلمي:- خديجة رمضان عبد النبي
تاريخ النشر ٢٠٢٦/٧/٨

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب