أكاديمية سلينا لفرسان الادب

وداع صامت
و... كيف صار الوداع أسهل من السلام؟
غرباء في طريقٍ واحد،
ويا لوجع الجملة حين تُقال بلا صوت.
توقف الزمن ثواني..
ليس ليجمعكما، بل ليشهد على موتٍ هادئ
مات بين نظرةٍ ونظرة،
لا عتاب فيها، ولا لوم،
فقط سؤال صامت:
"أكنت أنا حقاً كل عالمك؟ أكنت أنا حقاً وطنك؟"
ومضيتم..
كلٌ يحمل في قلبه مدينةً خَرِبَة اسمها "نحن"،
لا سلام.. لأن السلام اعتراف،
ولا التفاتة.. لأن الالتفاتة هزيمة.
وأما دموعها التي انحدرت بعدك
فهي لم تبكِ عليك،
بكت على النسخة منها التي دفنتها معك،
بكت على الأيام التي كانت تظنها أبدية
فأثبت لها الزمن أن حتى الأبديات لها تاريخ انتهاء.
يا لقسوة القدر
الذي يعلمنا أن أبعد الغرباء
هم من كنا لهم أقرب الأقربين.
أتينا من أطراف الحلم،
يحمل كلٌ منا للآخر غيمة،
فانتهينا كخطين متوازيين..
التقيا في نقطة الوهم ثم افترقا إلى الأبد.
فكيف تضيق الطرقات فجأة؟
وكيف يصبح الاتساع سجناً؟
نقف في المساحة الفاصلة بيننا،
مسافة يقطعها الضوء في ثانية،
ويقطعها قلبينا في ألف عام.
لا يدٌ تمتد، ولا شفاه تتحرك،
فقط هواء بارد يعبر بين جسدين
كانت تفصل بينهما ذات يوم.. نبضة واحدة.
يا لوحشة الخطوة الأولى بعد الفراق،
حين تلتفت فلا تجد ظلك لأنه غادر معهم.
نمشي في زحام العابرين كتفاً بكتف مع الخيبات،
نحمل أجسادنا كحقائب سفر قديمة
ممتلئة برسائل لم تُرسل، وعتاب جفّ حبره قبل أن يولد.
تتساءل الروح في زاوية معتمة:
كيف لمن كان يقرأ صمتي، أن يمرّ اليوم بأبجديتي الصارخة.. ولا يسمع؟
كيف لمن كان يداوي خوفي، أن يصبح هو الخوف والمنفى والسؤال الذي لا إجابة له؟
تلك التي بكت خلفك لم تكن تبكي غيابك،
فالغياب اعتادت عليه في حضورك البارد.
كانت تقيم مراسم دفنٍ سرية لأحلامٍ صغيرة غزلتاها معاً،
لضحكةٍ خرجت من قلبها يوماً وظنت أنها لن تنطفئ.
لقد دفنت معك أمانها المفرط في هذا العالم،
وثقتها بالوعود التي تُكتب على الماء،
والنسخة التي كانت تبتسم في المرآة وتشبهك.
اليوم تنظر إلى نفسها فترى امرأة أخرى،
أكبر بعشر خيبات، وأقسى بعشرة جروح،
امرأة تعلمت كيف تمشي على زجاج الذكريات دون أن تنزف أمام أحد.
مضينا والخطوات ثقيلة كالجبال،
الالتفات في قانون الكبرياء ردة،
والسلام في شرع الخذلان استجداء،
لذا تركنا النظرة الأخيرة معلقة في الهواء..
أرجوحة فارغة يتسلى بها النسيان.
سيسألنا الوقت يوماً: من بدأ هذا الموت الهادئ؟
فلا نملك إلا الصمت إجابة.
لقد كنا نملك كل شيء، والآن نملك مدينة خربة
شوارعها مهجورة، ومبانيها حكايات قديمة،
ولافتتها الكبيرة كُتب عليها:
"هنا عاش اثنان.. ظنا أن الحب أقوى من الزمن،
فأثبت لهما الزمن أن الحب مجرد عابر سبيل".
ويبدا النسيان من الأشياء الصغيرة، تلك التي لم نكن نحسب لها حساباً،
من فنجان القهوة الصباحي حين تكتشف فجأة أنك تشربه وحيداً دون أن تنتظر رنيناً،
ودون أن تصيغ في مخيلتك تفاصيل حكاية ستقصّها عليه.
يبدأ النسيان حين تسير في الشارع المشترك،
فلا تعود الرصّفة تبكي تحت قدميك،
ولا يعود العطر العابر في الزحام يلوي عنقك بحثاً عن وجهه.
تطالع الوجوه ببلادة صامتة، كلهم عابرون.. وهو صار أشدّهم عبوراً.
ما أصعب ترتيب البيت بعد رحيل المقيمين!
تلك التفاصيل التي كانت مقدسة:
من مقعده المفضل، وكتابه المتروك بصفحة مطوية،
ورسائل الهاتف التي كانت تُقرأ بمئة إحساس،
تتحول كلها فجأة إلى قطع أثاث باردة.
تنظر إليها فلا تشعر بشيء سوى بفراغ هائل،
كالفراغ الذي يتركه مبنى هُدِم للتو في ساحة المدينة.
تتعلم كيف تحذف الرسائل.. رسالة تلو رسالة،
ليس كُرهاً، بل لأن بقاءها صار يمثل شحاذاً يستجدي عاطفة ماتت.
تحذف الأرقام، وتغير مسارات طريقك اليومي،
ليس هرباً منه، بل هرباً من النسخة القديمة منك التي ما زالت تنتظره عند المنعطف.
وفي المحاولة الأولى للتعافي ستمرّ عليك ليلة باردة جداً،
ليلة يتواطأ فيها الليل، والمطر، وحنين مفاجئ.. ليكسروا كبرياءك.
ستمسك بهاتفك وتكتب رسالة طويلة.. طويلة جداً،
تضع فيها كل عتاب الأرض، وكل دموع الشوق الخفي.
تكتب وتكتب حتى ترتجف أصابعك،
ثم تقف طويلاً عند زر "إرسال"..
تتأمل الاسم الذي كان يوماً مرادفاً للأمان،
وتدرك فجأة أن الشخص الذي تكتب له لم يعد موجوداً في الطرف الآخر.
الشخص الذي تحبه مات في لحظة الوداع الصامت، وما تبقى منه هو مجرد شبح.
فتقوم بمسح الكلمات حرفاً وراء حرف..
وتنام، وقد انتصرت في أولى معارك التعافي.
ثم يأتي اليوم الذي تلتقيان فيه صدفة،
لا دقات قلب متسارعة، ولا ارتباك في الخطوات، ولا دموع تختبئ وراء الرموش.
تنظر في عينيه فلا ترى عمق البحر الذي غرقت فيه يوماً،
بل ترى مجرد بركة ماء راكدة.. عبرتها وتابعت طريقك.
يسألك بفضول متأخر: "كيف حالك؟"
فتبتسم بصدق.. ابتسامة خفيفة، وتجيب: "بخير".. وتعنيها تماماً.
لقد شُفيت تماماً، ليس لأنك وجدّت بديلاً،
بل لأنك وجدّت نفسك..
تلك النسخة التي ظنت يوماً أنها دُفنت معه،
عادت لتولد من جديد.. أقوى، وأجمل، وأقل سذاجة.
بقلمي المتواضع ابو عادل وجيه الحاج خليفة
تاريخ النشر ٢٠٢٦/٧/١٤

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب