أكاديمية سلينا لفرسان الادب
في محراب الوجوه العارية
يا صاحبي،
لقد تصفحتُ كتاب البشر طويلاً، فوجدتُ أن أصعب الفصول قراءة هي تلك التي كُتبت بأقلامٍ مغموسة في حبر النفاق. كنا نظن في أول الدرب أن العدو هو من يشهر سيفه في وجوهنا، فتعلمنا كيف نتقي الضربات. لكن الصدمة الكبرى كانت حين وجدنا أن أشد الطعنات إيلاماً تأتي من يدٍ صافحتنا بحرارة، ومن ثغرٍ أسمعنا من مديحه ما يطرب الروح.
إن الوجوه المتلونة يا صاحبي لا تسكن إلا في ظلال المصالح. يرقبون خطوتك، فإن رأوا فيك نفعاً، بسطوا لك القلوب والدروب، وصاروا لك ظلاً لا يفارقك في شمسك. يبنون لك من كلمات الثناء قصوراً من وهم، ويهمسون في أذنك: "نحن السند في النائبات".
لكن واأسفاه على قلوبٍ صدّقت عهودهم! فما إن تميل شمس منفعتهم، أو تهب عاصفة تحتاج إلى وقفةِ صدقٍ وتضحية، حتى ترى تلك الأقنعة النضرة تتساقط كأوراق الخريف اليابسة. تلتفت حولك فلا تجد أحداً، بل تجد أن من كانوا بالأمس يمدحونك في حضورك، هم أنفسهم من ينهشون لحم غيبتك بوجوهٍ أخرى شكلتها طاولات المصلحة الجديدة.
لذا، فقد علمتني التجارب أن أقدّس المسافات. صرتُ أغلق أبواب قلبي دون الخِداع، وأحمد الله في كل يوم على خذلانٍ كشف لي زيف الضمائر. فالخذلان، برغم مرارته، هو الحرية؛ هو الطبيب الذي يبتر العضو الفاسد من حياتنا ليحمي بقية الجسد. وسلامٌ على القلة الثابتة، أولئك الذين بقيت ملامحهم واحدة برغم تبدل الفصول، فلم يتغيروا لأن الصدق فيهم طبع، والوفاء في عروقهم أصل.
القصيدة: أقنعة الزمان
عَزَّ الوفاءُ ومَـالَ الوِدُّ وانْقَشَـعَا ... وظَنَّ مَنْ شِيدَ فِيهِ السَّـقفُ قَدْ وَقَعَا
مَشَـيْتُ فِي الدَّرْبِ والأقْنـاعُ مَـائِلَةٌ ... نَحْـوَ المَصَـالِحِ تَبْغِي المَغْنَمَ الجَشِعَا
يُبْدُونَ لِي فِي صَبَاحِ الوَصْلِ مَبْسَمَهُمْ ... وَفِي الخَفَاءِ نَصِـيبِي الخَنْجَـرُ اللَّمَعَا!
تَبَـارَتِ الأوْجُـهُ الشَّـتَّى بِتَلْوِينٍ ... كَالثَّوْبِ يُلْبَـسُ حَسْبَ الطَّقْسِ مُبْتَدَعَا
فَـإِنْ رَأَوْكَ بِنَـعْمَـاءٍ حَـبَوْكَ سَنَـاً ... وَإِنْ هَـوَتْ بِكَ رِيـحُ الضِّيقِ مَا سُمِعَا
يَـا لَاحِـقِينَ بِظِلِّ المَـالِ مَا بَقِيَتْ ... نَفْسٌ تَـعِـيشُ بِثَـوْبِ الزُّورِ مُقْتَـنِعَا
سَـلَامُ قَلْبِي عَلَى نَـفْسٍ لَهَا وَجْـهٌ ... وَاحِـدٌ حَـتَّى وَإِنْ كُلُّ الـوَرَى خَدَعَا
صِدْقُ السَّـرِيرَةِ حِصْنٌ لَا بَدِيلَ لَهُ ... مَـنْ صَانَ عَهْـدَ إِخَاءِ الصِّدْقِ مَا نَزَعَا
دَعِ الـمُتَـلَوِّنَ فِي أَسْـوَاقِ رِحْلَتِـهِ ... فَالـمَـاءُ يَبْقَى نَقِـيَّاً أَيْنَمَـا صَنَعَا
بقلمي المتواضع ابو عادل وجيه الحاج خليفة
تاريخ النشر 26/7/2026
تعليقات
إرسال تعليق