أكاديمية سلينا لفرسان الادب

عندما يكون الأمان سكين الألم
تفتحت عيناي وأنا طفلة بريئة، أحلم دائمًا بأحلام غاية في الرقة. لم تكن الحياة قد كشفت لي خباياها بعد. كنت أظن أن الحياة تبدأ في بيتنا وتنتهي فيه، وأن كل باب يُغلق يحميني من قسوة الحياة، وأن حضن أمي هو مرفأ الأمان بالنسبة لي، وأن شعور الأمان يبدأ من الأسرة، من حنان الأم واحتواء الأب، وأن باقي أفراد العائلة هم السند الحقيقي
 لي إذا مالت بي الأيام.
مرت الأيام، وبدأت أكتشف الوجوه من حولي. كنت أرى ملامح مبتسمة، فأمنحها ثقتي، فما زالت براءة الأطفال تلازمني. لكنني اكتشفت أن بعض تلك الملامح
 التي كانت تبث في نفسي الأمان
 لم تكن إلا خداعًا يخفي حقيقة مرة.
كبرت بعض السنوات، وما زالت تلك الملامح عالقة في ذاكرتي، تبكيني في صمت، وقد خلقت بداخلي رعبًا 
لم يراه أحد، ولم يشعر به من حولي.
كبرت قليلًا، واكتشفت أن الحقيقة ليست دائمًا كما تبدو.
فليس كل بيت وطنًا...
وليس كل حضن دافئًا...
وليست كل ابتسامة صادقة...
فهناك أقنعة تُرتدى لتُخفي الحقيقة المرة.
هناك أطفال يولدون وهم يظنون أن العالم آمن وجميل
ثم يكتشفون في عمر البراءة معنى الخوف.
ويكتشفون أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس غدر الغريب
، بل غدر من وثق بهم من الأقارب، وظنهم مرفأ الأمان.
فكم من طفل عاد من مدرسته، ونظراته زائغة، يحمل في قلبه خوفًا من معلم كان من المفترض أن يزرع فيه العلم، لا أن يقتنص براءته، ويزرع داخله الرعب، وينزع من قلبه الأمان.
وكم من طفلة كانت تظن أن أحد أقاربها هو مصدر الأمان لها، وسندها الذي تلجأ إليه، لكنها اكتشفت أن بعض الوجوه الباسمة لم تكن إلا أقنعة تخفي ذئابًا تتربص ببراءتها.
وكم من بيت أُغلقت أبوابه على صرخات مكتومة، تئن من الألم، ولم يسمعها أحد، لأن أصحابها كانوا صغارًا لا يعرفون كيف يصفون ما حدث لهم من خذلان وغدر، 
أو كانوا يخشون ألا يصدقهم أحد.
لم يكن الطفل يعرف كيف يقول: أنا خائف أنا أتألم."
فالخوف كان أكبر من الكلمات، 
والوجع أكبر من عمره الصغير.
وطريقة تعبيره فهمت بطريقة خاطئة.
قالوا: "إنه عنيد." أو خيالات من احلامه
وقال آخرون: "إنها مرحلة وستمر."
وقال بعضهم: "يكذب ليجذب الانتباه."
ولم يسأل أحد نفسه سؤالًا واحدًا...
ماذا لو كان هذا الطفل لا يعرف كيف يقول: أنقذوني؟
أحيانًا لا يكون الجرح في الجسد فقط...
بل في الروح التي تنزف بلا توقف من الألم.
جرحٌ يكبر ويختبئ بين الضلوع مع مرور السنوات. شيئًا فشيئًا تختفي الضحكات، ولا يبقى سوى ابتسامة هادئة تخفي خلفها بحرًا من الألم. يراها الناس ابتسامةً صادقة، ويرون نجاحًا يبعث على الفخر، بينما في داخله طفلٌ 
ما زال يقف في ركنٍ مظلم، يبكي وحده خلف بابٍ مغلق، 
ينتظر يدًا تمتد إليه، تمسح دموعه، وتهمس في أذنه:
"أنت في أمان."
لكن تلك اليد لم تأتِ...
فظل وحيدًا بين أنياب الخوف، يصارع ذكرياتٍ لا تموت، ويهرب من ماضٍ يسكنه أكثر مما يسكن هو الحاضر.
تعلم بعض الأطفال لغة الصمت، لأنها أقل ألمًا من الكلام، فالكلام قد يُقابل بالتكذيب، أو اللوم، أو الصراخ، أو بالخوف من تفكك الأسرة، فيصبح الصمت ملجأهم الوحيد، 
رغم أنه أكثر السجون قسوة.
ويمر العمر...ويكبر الطفل،،،
لكنه يظل يحمل بين حنايا قلبه أشياء لم تغادره أبدًا.
يصير شابًا... أو امرأة...
وقد مزقت ثقته بنفسه،
 يرتبك من كلمة، أو نظرة، أو رائحة
 أو صوت يعيد إليه الماضي، أو لمسةٍ عابرة
 توقظ داخله ألم مدفون منذ سنوات
يصبح الخوف صديق دائمً، وتصبح الثقة مفقود، ويصير منح الحب للآخرين أمرًا بالغ الصعوبة، لأنه تعلم منذ نعومة أظافره أن الخيانة قد تأتي ممن كان يُفترض أن يمنحوه الأمان.
كم هو مؤلم أن يكبر الإنسان وهو يشك في كل يدٍ تمتد إليه، وكل كلمةٍ طيبةٍ تُقال له، وكل حضنٍ يُفتح له، لأنه في داخله ما زال ذلك الطفل الذي تعلم أن الأذى قد يرتدي وجه الحنان.
وهنا تبدأ أصعب معارك العمر...
معركة استعادة النفس.
أن يتعلم أن ما حدث له لم يكن ذنبه، 
بل ذنب من خانوا براءته واستغلوا ضعفه.
وأن الطفولة التي سُرقت منه
 لا تعني أن حياته كلها قد سُرقت.
وأن يؤمن بأن الجرح، مهما كان غائرا،
 لا يمنعه من أن يصبح إنسانًا يستحق الحياة
،ويستحق الحب الصادق والأحترام
ربما تبقى الجروح تنزف...
لكنها لا يجب أن تبقى قيودًا تمنعه
 من أن يعيش أو يحلم أو يبتسم من جديد
إن أكثر ما يحتاجه الطفل ليس الألعاب،
 ولا الملابس، ولا المال...
إنه يحتاج إلى شعورٍ واحد فقط...الأمان
ذلك الشعور الذي إذا سرق منه في طفولته
،ظل يبحث عنه في كل الوجوه التي يقابلها
 وفي كل بيت يدخله،وفي كل علاقة يبنيها
أرجوكم،،
لا تسألوا الأطفال دائمًا عن درجاتهم في المدرسة، ولا عن تفوقهم في النادي، ولا عن عدد الجوائز التي حصلوا عليها.
اسألوهم عن قلوبهم...
عن سبب صمتهم...
عن خوفهم المفاجئ... عن نظراتهم الزائغة
عن تغير ملامحهم التي لا يلاحظها إلا من يحبهم حقًا.
راقبوا دموعهم التي يخفونها...
وارتباكهم من أشخاص بعينهم...
وصمتهم الذي يأتي بعد الضحك...
فالأطفال لا يكذبون حين يتألمون...
لكنهم كثيرًا ما يعجزون عن وصف الألم.
فكونوا أنتم الطريقة التي يعبر بها عن ألمه.
كونوا الحضن الذي يبحث عنه،
واليد التي تحمي وتنتشله من القاع الأحزان
والقلب الذي يصدقهم قبل أن يحكم عليهم.
فكم من طفلٍ عاش عمره كله ينتظر شخصًا 
واحدًا يصدق روايته...
وشخصًا واحدًا يشعره بأنه ليس مذنبًا...
وشخصًا واحدًا يعيد إليه الإيمان بأن الحياة
 ما زالت تحمل شيئًا من الرحمة.
ليس كل من نجا من طفولته...
قد نجا من آثارها.
فبعض الأطفال يكبرون في العمر...
لكنهم يظلون طوال حياتهم يبحثون
عن الشعور الذي سرق منه ،ذلك الشعور بالأمان
فحين يتحول الأمان إلى سكين...
لا ينزف الجسد وحده...ولا تبكي الروح وحدها
بل تموت في داخل الطفل براءته التي لا يعيدها الزمن أبدًا.
كلما تذكرت ما حدث، تهمس في صمت:
"لم أكن أبحث عن شيءٍ كبير... كنت فقط أبحث عن الأمان."
بقلم: عبير جلال،،الإسكندرية
٣/٧/٢٠٢٧

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب