أكاديمية سلينا لفرسان الادب


اللقاء الأخير... عند باب القبر
كنت أجلس وحيدًا في غرفتي، أراقب قطرات المطر
 وهي تتساقط ببطء على زجاج نافذتي.
أسندت رأسي إلى النافذة، وأطلقت لذكرياتي العنان،
 لتبحر في بحرٍ لا شاطئ له.
تذكرت سنوات مضت... قبل أن تتغير ملامحي، ويرسم الزمن خطوطه على وجهي، وقبل أن يعتلي الشيب رأسي.
تذكرت سنوات الجامعة... أصدقائي، وأحلامي، وضحكاتنا، وسهر الليالي، حتى توجنا تعبنا بالنجاح والتخرج.
ابتسمت ابتسامةً هادئة، لكنها كانت تحمل مرارة العمر.
لم أكن أعلم أن أصعب اللقاءات... هي تلك التي لا يرد فيها أحد.على حديثك،
وما إن مرت صورتها في خاطري، حتى سالت دموعي
 في صمت تغسل جراح العمر،،
سنوات طويلة عشناها في حبٍ صادق، ومشاعر نقية،
 ووعود كتبناها على صفحات أحلامنا.
وبعد التخرج، تقدمت لخطبتها، وأنا أحمل بين يدي قلبي وكل أحلامي، لكن أهلها رفضوني؛ لأنني كنت في بداية حياتي
، لا أملك سوى الحب والطموح.
حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تقنعهم
، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، وزُفَّت إلى رجلٍ آخر.
افترقنا كما يفترق المسافرون عند محطة القطار.
لم يكن بيننا خصام، ولم تمت مشاعرنا، لكن الحياة كانت أسرع منا، فأخذت كلًّا منا إلى طريق مختلف،
 وتركت في قلبي بابًا لم يُغلق أبدًا.وحبا لم ينسى،،
كنت أظن أن الزمن قادر على إطفاء الحنين، لكنه كان يزيده اشتعالًا عامًا بعد عام، حتى أيقنت أن بعض الأشخاص قد يغادرون المكان، لكنهم لا يغادرون القلب أبدًا.
انقطعت أخبارها عني. وصارت حياتي بدون أمل،
كم مرة أمسكت هاتفي لأبحث عن اسمها، 
وكم مرة كتبت لها رسالة، ثم مزقتها قبل أن تكتمل.
كنت أخاف أن أعرف أنها نسيتني...
وأخاف أكثر أن أعرف أنها ما زالت تتذكرني.
عشت بين عملي ومنزلي، وبين نافذتي التي أصبحت
 شاهدة على وحدتي، حتى جاء اليوم الذي رن فيه هاتفي.
كان صديقًا قديمًا.
قال بصوتٍ حزين،،
"لقد رحلت..."
توقفت أنفاسي، وتجمدت الكلمات على لساني.
سقط الهاتف من يدي، ونظرت إلى الفراغ، لا أدري أأصرخ حتى يسمع العالم وجعي، أم أكتم حزني
 كما كتمت حبي من قبل.
وانهمرت دموعي بلا توقف.
وتساءلت...
كيف يرحل الإنسان هكذا؟
وكيف تتحول كل الطرق التي كانت تؤدي إليه...
 إلى طريقٍ واحد ينتهي عند قبر؟
لا أعرف كيف مر ذلك اليوم.
وفي صباح اليوم التالي، وجدت نفسي اسير في الشوارع بالهدف،حتى حملتني خطواتي نحو المقابر.
كانت الشمس تميل إلى الغروب، والحزن يلف المكان.
لم أحمل معي سوى وردةٍ بيضاء...
 فقد كانت تعشق الورد الأبيض.
وحملت قلبًا أثقلته سنوات الفقد والندم.
وقفت طويلًا أمام قبرها.
لم أعرف كيف أبدأ الحديث.
هل أقول: اشتقت إليك؟
أم أقول: سامحيني؟
أم أعاتب الزمن لأنه سرق أحلام عمرنا؟
ابتسمت رغم دموعي، وهمست:
"ها أنا جئت...
لكنني جئت متأخرًا جدًا."
ساد الصمت...
ذلك الصمت الذي لم أعرفه من قبل.
ومع ذلك، شعرت أنك تسمعينني،
 كما كنتِ دائمًا تنصتين إلى حديثي.
تذكرت أول لقاء...
وأول سلام...
وأول ضحكة... وكيف تبادل نظراتنا الحب،
وأول خلاف انتهى بعد دقائق
؛ لأن قلبك كان أكبر من أن يعرف الخصام.
وتذكرت كيف تجرعت مرارة الألم يوم زفافك.
واليوم...
لم يعد بيننا خوف...
ولا مسافات...
ولا أحد يمنعني من الحديث إليك.
هناك فقط...
قبر...
وحكاية حب لم تكتمل.
استندت إلى القبر، وأطلقت تنهيدةً طويلة، ثم ابتسمت ابتسامةً امتزجت بمرارة السنين، 
ومسحت دموعي بطرف يدي، وقلت:
أتذكرين يا حبيبتي...
كنتِ تغضبين كلما تأخرت دقائق عن موعدنا،
 وكنتِ تقولين لي دائمًا:
"لا تتأخر... فالانتظار يسرق العمر."
انظري إليَّ الآن...
لقد تأخرت عنك سنوات.
كنتِ على حق...
فالانتظار سرق عمرًي كله،
أتعلمين؟
ما زلت أحتفظ بنبرة صوتك.
وما زلت كلما أغمضت عيني، أراكِ تسيري في طرقات الجامعة، تحملين كتبك بين ذراعيك، وتلوحين لي من بعيد، تعلو وجهك تلك الابتسامة التي كانت تبدد كل أحزاني.
أكاد أسمع ضحكتك...
وأراكِ تعاتبينني لأنني نسيت يومًا أن أحضر لك الورد الأبيض الذي كنتِ تعشقينه.
ها أنا أحضره اليوم...
وردةً بيضاء كما كنتِ تحبين.
لكن هذه المرة...
لن تضعيها في شعرك تتزين بها،،..
ولن تبتسمي...
ولن تخفضي عينيك خجلًا كما كنتِ تفعلين دائمًا.
سامحيني...
لم أكن فقيرًا لأنني لم أملك المال...
بل كنت فقيرًا لأنني لم أملك الشجاعة الكافية 
لأدافع عن حبنا، وعن أحلامنا التي رسمناها معًا.
استسلمت لواقعٍ كسرني، وحطم كل ماحلمنا به،
هل كنتِ سعيدة؟
هذا السؤال قتلني سنوات طويلة.
كنت أدعو الله كل ليلة أن يمنحك السعادة، 
حتى وإن لم أكن أنا جزءًا منها.
أما أنا...
فعشت حياتي كمسافرٍ نسي قلبه في محطةٍ قطار،
 وأكمل رحلته بجسدٍ يسير، بينما بقيت روحه هنا... معك.
اقتربت أكثر من القبر، وأغمضت عيني، 
وقلت بصوتٍ اختلط بالبكاء:
إن كان الموت يجمع الأرواح يومًا...
فانتظريني...
ليس الآن...
ولكن عندما يأذن الله باللقاء.
هذه المرة...
لن أتأخر عنك أبدًا.
وضعت الوردة البيضاء فوق القبر، وربتُّ برفق على التراب، كأنني أودعك للمرة الأخيرة.
استدرت ببطء، وأخذت خطواتٍ متثاقلة، ثم توقفت فجأة، والتفتُّ إلى القبر مرةً أخيرة، وابتسمت ابتسامةً غمرتها الدموع، وهمست:
"وداعًا يا أجمل حب مر في عمري...
لعل اللقاء القادم لا يفرق بيننا أحد."
ورحلت...
لكن خطواتي وحدها هي التي غادرت.
أما قلبي...
فقد بقي هناك...
إلى جوار الاسم المنقوش على الحجر...
ينتظر لقاءً لا يفرقه بعده أحد.
بقلم: عبير جلال
الإسكندرية
15 يوليو 2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان

اكاديمية سلينا لفرسان الادب