أكاديمية سلينا لفرسان الادب
ليست كلُّ الجراح تُرى فبعضها يسكن الأعماق بصمتٍ موجعٍ و يترك في الرُّوح ندوبًا لا يمحوها الزمن. و أشدُّ الوجع ما جاء ممَّن منحناهم ثقتنا و اعتبرناهم جزءً من أماننا و طمأنينتنا. فحين يتحوَّل القرب إلى خذلانٍ يصبح القلب غريبًا وسط من أحبَّ و تغدو الكلمات أثقل من الدموع. و من رحم هذا الشُّعور الإنساني العميق جادتِ الْقريحةُ بكلماتِ أَبياتِ هٰذهِ الْقصيدةِ الَّتي عنونتهَا: « جُرْحُ الْقُرْبَى لَا يَنْدَمِلُ »، لتكون صرخة قلبٍ أنهكته كسور الأقربين و بوح روحٍ ما زالت تبحث عن دفء الوفاء بين أنقاض الخيبة.
« جُرْحُ الْقُرْبَى لَا يَنْدَمِلُ »
جُرحت من الأهل الَّذين عَهِدْتُهُمُ
فصار دفء القلب نارًا تُؤَرِّقُنِي
و كنت أظنُّ الوصل بابًا أَلُوذُ بِهِ
فأضحى صدى الخذلان ينهش أَضْلُعِي
إذا جاء جرح الناس يبرؤه الْأَسَى
فجرح الأقارب لا يداويه مُسْعِفٌ
لأنَّ الَّذي آذاني كان مُقَرَّبًا
و كان لروحي في الشدائد مَرْفَأٌ
أعاتب نفسي ألف مرَّة حَيْرَةً
و أسأل قلبي كيف خانك مَأْمَنٌ
أتبكي على الفعل المؤلم وَحْدَهُ؟
أم الحلم حين تهدَّم الْمُتَّكَأُ؟
فكم مرَّة أخفيت وجعي صَامِتًا
و كان صدى أنفاسي المتعب يَفْضَحُ
أرى الضحك المصلوب فوق شِفَاهِهِمْ
و في داخل الكلمات سيفٌ مُشْرَعٌ
أأهلي؟ و كيف الأهل يزرعون الْأَسَى
و كيف يضيق بقربهم ما أَوْسَعُ؟
تعلَّمت أنَّ القرب ليس قَرَابَةً
و أنّ صادقَ القلبِ يغرسُ الوفاءَ
فلا تكسروا روحًا احتمت بِظِلَالِكُمْ
فبعض الشظايا في الضلوع تُوجِعُ
سيبقى فؤادي رغم نزف مَرَارَتِي
يقاوم حزنًا في الحنايا يُوجَعُ
و أمضي و في عينيَّ صبر مُحَارِبٍ
و لكنَّ جرحي من ذوي القرب أَوْجَعُ
بقلم الأستاذ: فتحي مصباحي / تونس
تعليقات
إرسال تعليق