أكاديمية سلينا لفرسان الادب

الكاتبة الوائية:صليحة جابي (سالي)
حين تحترق الجزائر يقف أبناؤها
حين تحترق الجزائر، لا تحترق الأشجار وحدها
يحترق معها شيءٌ من القلب، شيءٌ من الذاكرة، شيءٌ من رائحة التراب الذي تربّينا على حبه، وشيءٌ من تلك الحكايات التي تركها لنا الآباء والأجداد بين الجبال والسهول.
ننظر إلى النار وهي تلتهم الأخضر، ونشعر بالعجز للحظة
لكن الجزائر ليست شجرةً تُحرق، ولا غابةً تُلتهم، ولا قريةً يطاردها اللهب.
الجزائر وطنٌ إذا اشتد عليه الخطر، استيقظ أبناؤه.
بلدٌ ساند كثيرًا من البلدان حين كانت في ضيقها، ومدّ يده حيث استطاع، ولم يسأل يومًا: ماذا سنأخذ في المقابل؟
وحين جاء دورها لم تنتظر كثيرًا،وجدت أبناءها.
وجدت شابًا يحمل الماء بدل الكلمات، وشيخًا يفتح بيته للناجين، وأمًا تطهو للمتطوعين، وطبيبًا يداوي، وسائقًا يقطع المسافات، ورجلًا يتبرع بما يملك، وامرأةً تجمع ما تستطيع
وجدت جزائريين لا تجمعهم الظروف وحدها، بل تجمعهم روح واحدة حين تضيق الأيام.
نحن شعبٌ قد تختلف أصواتنا في الأيام العادية، وقد تتباعد طرقنا، وقد نتجادل على تفاصيل الحياة
لكن حين تنادي الجزائر، تسقط كل الخلافات عند أول كلمة.
نصبح يدًا واحدة،قلبًا واحدًا،وروحًا واحدة،نحزن نعم.
ونبكي على كل شجرةٍ سقطت، وعلى كل بيتٍ لامسته النار، وعلى كل روحٍ دفعت ثمنًا قاسيًا، وعلى كل أمٍّ ارتجف قلبها خوفًا على أبنائها.
لكن حزننا ليس ضعفًا.
ففي الجزائر حتى الحزن له هيبة، وحتى الدموع تحمل في مائها شيئًا من الكبرياء.
نحن أبناء بلدٍ لم تُكتب كرامته بالحبر، بل كُتبت بالدم.
بلد المليون شهيد بلدٌ تعلّم منذ زمن بعيد أن الحرية لا تُمنح، وأن الكرامة لا تُستعار، وأن الوطن حين يمرض لا نبحث له عن أبٍ آخر نحن أبناؤه.
لا نحتاج أن يتكئ وطننا على كتف أحد.
قد نحتاج يدًا تمتد بالمحبة، ونرحب بكل قلبٍ صادق يقف معنا، لكننا لا ننسى أبدًا أن لنا في هذه الأرض أبناءً إذا اجتمعوا، صاروا سندًا لا ينكسر.
فلا تغرّنكم النار.
قد تأكل الغابة، لكنها لا تستطيع أن تأكل روح الجزائر.
قد تسوّد الجبال بالدخان، لكنها لن تستطيع أن تطفئ نورًا عمره قرون.
وقد تسقط الأشجار، لكن جذور هذا الوطن أعمق من أن تحرقها نيران عابرة.
نحن الجزائر،ننكسر قليلًا ثم نقف،نتعب ثم نواصل.
نبكي ثم نمسح دموعنا بأيدينا ونعود إلى الميدان.
وفي أشد ساعات المحنة، لا نسأل: من سيأتي لينقذنا؟
بل نسأل:أين أخي الجزائري؟أين أختي الجزائرية؟ماذا نستطيع أن نفعل لوطننا؟
ذلك هو غرورنا الجميل.
أن نعرف قيمة وطننا دون أن نطلب من العالم أن يثبتها لنا،وتلك هي عزّة نفسنا
أن نمدّ أيدينا لبعضنا قبل أن نمدّها للآخرين.
فالجزائر ليست أرضًا فقط،الجزائر أبناؤها.
وحين يقف أبناؤها جنبًا إلى جنب،لا تكون هناك نارٌ أقوى من قلوبهم،ولا محنةٌ أكبر من وحدتهم،ولا وطنٌ أكثر كبرياءً من وطنٍ يعرف أن له أبناءً لا يتركونه وحيدًا حين تشتد الحرائق.
سلامٌ على كل يدٍ امتدت لتطفئ نارًا.
سلامٌ على كل قلبٍ خاف على الجزائر.
سلامٌ على رجال الحماية المدنية والمتطوعين وكل من وقف في وجه اللهب.
وسلامٌ على كل جزائري حمل وطنه في قلبه، قبل أن يحمله على كتفيه،ستهدأ النار.
وستعود الخضرة إلى الجبال يومًا،وستبقى الجزائر لأن الأوطان لا تحيا بالأرض وحدها.
بل تحيا بأبنائها حين يكونون يدًا واحدة، وروحًا واحدة، وقلبًا لا يعرف إلا الجزائر.
العنقاء العنقاء

تعليقات