اكاديمية سلينا لفرسان الادب

قلت للفقر،، لا
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري 
عبدالصاحب الأميري 
&&&&&&&&&&
قلتُ للفقر: لا
خذوا بيدي...
هاتوا عصاي،
وامسحوا عرق جبيني،
فأنا الذي رموه على الحدود،
وتركتني الريحُ وحيدًا
بين منفًى ومنفًى،
والكلابُ خلف خطايَ تعوي،
وأنا أمضي...
لا ألتفت.
يوم قلتُ للوالي:
للفقرِ لا.
قلتُها
والخوفُ يعضُّ على شفتي،
والجوعُ يقرع أبوابي،
والليلُ طويل،
لكنني آمنتُ
أن الإنسان لا يُخلق
ليحني رأسه للرماد.
قلتُ:
لا فقيرٌ يُهان،
لا طفلٌ ينامُ على الأرصفة،
لا أمٌّ تخبئ دمعتها
كي لا يراها صغارها،
لا قتال...
لا ثأر...
لا موتٌ يورثُ الموت.
علينا أن نزرعَ الابتسامةَ
على الشفاه،
وأن نُعلّمَ القلب
كيف يكون وطنًا
حين تضيقُ الأوطان.
سخروا مني...
قالوا: مجنونٌ
يحلمُ بربيعٍ
في أرضٍ أكلتها الرمال.
أبعدوني...
فدفنتُ في الغربة
شبابي،
وتركتُ على أبوابها
أجملَ سنواتي.
كبرتُ بعيدًا،
وشابَ الرأسُ
قبل أوانه،
وعُدتُ اليوم
شيخًا
يتكئ على عصاه...
لكنني لم أعدْ خاليَ اليدين.
عدتُ
وفي صدري مدينة.
مدينةٌ لم تُبنَ بالحجر،
بل بالآمال،
وبالدمع الذي لم ينكسر،
وبالأحلام التي
رفضت أن تموت.
ها هي الآماني
تطرقُ بابي...
فأفتحُ لها.
أقول:
ادخلي...
سأبني منكِ وطنًا
لا يشبهُ باقي الأوطان.
وطنًا
إذا رفرفت أعلامُه
لم تكن الريحُ وحدها
هي التي تحرّكها،
بل كانت قلوبُ أبنائه
ترفرفُ معها.
أعلمُ أن النصر
لا يأتي بالمجان...
النصرُ لا يُهدى،
ولا يُشترى،
ولا يهبطُ من السماء
على أرضٍ نائمة.
النصرُ يأتي زاحفًا،
خطوةً... خطوة،
حين نزرعُ في الصحراء وردًا،
وفي القلوب عزّة،
وفي العقول نورًا،
وفي الأرواح مكانةً وكرامة.
وحينها...
تبتسمُ الزهور
حين تراني،
وحين تراك.
تزهو...
ترقص...
وترفعُ رؤوسها للسماء،
وتصلّي
على صوت الأذان.
وعندها
يهربُ المحتلُّ خائفًا،
لا لأن في أيدينا
سيفًا أشدَّ من سيفه،
بل لأن في صدورنا
سلاحًا لا يعرفه:
الإيمان...
والحب...
والتقوى...
والصبر...
والصلوات.
فأنا الذي طُردتُ
من أرضي،
لم أطردْ حلمي.
وأنا الذي دفنتُ شبابي
في الغربة،
لم أدفنْ وطني.
وأنا الذي عاد
يتوكأ على عصاه،
ما زلتُ أملكُ قدمين
تمشيان نحو الغد.
فاسمعوني...
إن سألتموني
ماذا تريد؟
سأقول:
أريدُ خبزًا
لا يُذلُّ الفقير،
وأريدُ وطنًا
لا يُهجرُ فيه الحالم،
وأريدُ طفلًا
يحملُ كتابه
بدلَ أن يحملَ خوفه.
أريدُ أرضًا
إذا سقطتُ عليها
أنبتتني وردة،
وإذا متُّ
قالت:
هنا مرَّ رجلٌ
رفض أن يعيشَ ذليلًا.
لذلك...
حين أوقفُ عصايَ
في وجه الريح،
وحين يرتجفُ جسدي
ولا يرتجفُ قلبي،
سأقولها
كما قلتها أولَ مرة:
قلتُ للوالي: لا.
قلتُ للظلم: لا.
قلتُ للغربة: لا.
قلتُ للموتِ المجاني: لا.
ثم قلتُ للفقر،
وأنا أبتسمُ رغم كل شيء:
للفقرِ... لا.
فأنا ابنُ حلمٍ
لم يمت،
وطنٌ يمشي على عصاه،
وقلبٌ أنهكتهُ السنين
لكنّه...
ما زال يعرفُ كيف يقول:
لا.
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب