أكاديمية سلينا لفرسان الادب
الطفلة التي تسكنني،،الجزء الاول
عندما يأتي المساء وتهدأ الأجواء حولي، أتناول فنجان قهوتي وأجلس على كرسيي المفضل بجوار نافذتي، صديقتي. أرتشف قهوتي الساخنة وأنظر إلى السماء، أتأمل جمال النجوم وبريقها اللامع، وألقي التحية على صديقي القمر عندما يحضر ليجالسني ويتحدث معي.
ساد الصمت حولي، وسكنت السكينة روحي. أسندت رأسي إلى جانب النافذة وأغلقت عيني، فإذا بي أذهب في رحلة بداخلي...
لا أعرف متى كبرت تلك الطفلة التي كانت تسكنني، ولا أعرف إن كانت كبرت فعلًا، برغم مرور تلك السنوات الكثيرة، أم أنها ما زالت تجلس في مكان ما بداخلي، تنتظر أن تهدأ الحياة من حولي لتخرج وتكمل شقاوتها وحكايتها بداخلي.
كنت طفلة تحب الخيال جدًا. كنت حين أجلس بمفردي أخلق عالمًا خاصًا بي، لا يعرفه أحد عني. أخلق شخصيات وحوارات، أعيشها وأستمتع بتفاصيلها الصغيرة؛ تفاصيل لم تحدث في الواقع، لكنها بالنسبة لي كانت حقيقية وواقعية جدًا.
كانت أمي دائمًا تخاف عليَّ من شدة شقاوتي. كنت كثيرة الحركة والكلام. وبمجرد رجوعي من المدرسة، كنت أذهب إلى المطبخ لأحكي لأمي، وأبدأ في سرد حكايات كثيرة مرت بي في ذلك اليوم، وكثيرًا ما كنت أحكي بعض القصص من وحي خيالي.
أتذكر جيدًا نظرات أمي لي، وكأنها تتأكد من صدق حكايتي. وقتها كنت أهرب إلى غرفتي لأغير ملابسي، لأن أمي كانت قد كشفتني.
يا لها من أيام جميلة، ما زالت عالقة في الذاكرة!
في المدرسة كانت حصة التعبير أحب الحصص إلى قلبي منذ الصغر. كانوا يعطوننا رؤوس الموضوع، فأقرأها بتمعن، ثم أنسى أنها مجرد نقاط صغيرة من المفروض أن تتحول إلى موضوع تعبير بسيط، وأحوّلها في خيالي إلى قصة كاملة.
أكتبها بكل حب وشغف، وأعيشها بكل تفاصيلها. كنت أفرح جدًا بالدرجات التي أحصل عليها، دون أن أعرف أن تلك الأوراق الصغيرة والقصص القصيرة تخبئ بداخلها كاتبة تنتظر أن تكبر.
كنت أيضًا طفلة فضولية إلى حد بعيد. أحب أن أعرف ما يدور حولي، أسأل كثيرًا وأحاور كثيرًا.
أتذكر أن كان عندي راديو تسجيل يتعطل أحيانًا كثيرة. كنت أفككه قطعًا صغيرة لأرى ما بداخله، وأحاول أن أصل إلى العطل الذي به، ثم أحاول أن أعيده كما كان. لم يكن يهمني كثيرًا أن ينجح التصليح، كان يكفيني فقط أن أطفئ شغفي وأعرف ما بداخله.
ربما كانت تلك الطفلة لا تعرف شيئًا عن المستقبل، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا جيدًا...
إنها تحب الحكايات.
ومن يومها لم تفارقني الحكايات.
مرت السنوات وكبرت قليلًا، وكبرت مشاغلي، وتغيرت الحياة حولي، لكن تلك الطفلة ظلت كما هي، تسكنني وتختبئ بداخلي، في ركن هادئ من قلبي، لا تظهر إلا عندما تجد الفرصة مواتية.
كنت أعيش طفولتي مثل الجميع؛ أذهب إلى المدرسة، أعود إلى البيت، أساعد أمي، وألعب مع إخوتي، وتزداد شقاوتي.
كبرت عامًا بعد عام، لكن بداخلي ما زال هناك عالم آخر لا يكبر بنفس الطريقة.
عندما كنت أغلق باب غرفتي وأجلس بمفردي بعيدًا عن أفراد عائلتي، كان عالمي الخاص يفتح أبوابه. أجلس معه وحدي وأبدأ في اختراع حكاية جديدة.
مرة أكون بطلتها، ومرة أكون مجرد شخص عابر يراقب أحداثها، ومرة أخرى أترك لخيالاتي حرية التصرف، وكأنني لا أعرف ماذا ستفعل هي أيضًا.
كانت تمر عليَّ بعض الأوقات أضحك وحدي أحيانًا، وأحزن وحدي أحيانًا أخرى، وربما كنت أبكي من أجل حكاية لم تحدث أصلًا.
أتذكر أنني كنت أرتدي بعض ملابس والدتي وأقلدها في طريقة سيرها وحديثها، وأمثل أمام إخوتي في عدم وجودها طبعًا.
يا لها من أيام بريئة جميلة!
لم أكن أعرف أنني كنت أتدرب منذ ذلك الوقت على شيء سيصبح يومًا جزءًا كبيرًا مني.
كنت أتعلم من تلك القصص التي اخترعتها كيف أشعر بالآخرين، وكيف أتخيل وجعهم وفرحهم، وكيف أعطي لكل شخصية مساحة من الصوت والحياة، وكيف يمكن لكلمة صغيرة أن تفتح بابًا لحياة كاملة.
مرت السنوات وتركت الطفولة خلفي، أو كما كنت أظن.
لكن الطفولة لم ترحل.
كانت فقط تختبئ تحت طبقات عمري، تنتظرني. كلما ضاقت بي الحياة كانت تطرق باب قلبي بهدوء وتقول:
"تعالي نحكي بعض الحكايات."
فأفتح لها الباب، وأعود طفلة من جديد.
مرت السنوات ودخلت مرحلة الصبا. هنا بدأت أدون ذكريات يومي، أحداثًا مررت بها، أسعدتني أو أوجعتني.
وظلت تلك الحالة مستمرة معي عمرًا طويلًا، حتى دخلت مرحلة الشباب. لم أعرف وقتها أن الحكايات التي كنت أهرب إليها ستصبح يومًا ملجئي من أشياء كثيرة أوجعتني.
كبرت أكثر، وبدأت أكتب مذكراتي بكل التفاصيل الصغيرة. أدون كل ما يحدث، حتى مباراة على شاشة التلفاز، أو حتى أخبارًا سمعتها في الأخبار عن طريق الراديو.
أصبح لي عالمي الخاص، بين دفتري وقلمي؛ حياة صغيرة خلف باب غرفتي، تحتوي كل خيالاتي.
عرفت المسؤوليات طريقها إليَّ. لم أعرفها وأنا طفلة، أو حتى في مرحلة الصبا والدراسة. عرفت أشخاصًا أحببتهم، وأشخاصًا تركوا قلبي ينتفض من شدة الجروح، وأشخاصًا تركوا أثرًا كبيرًا بداخلي.
عرفت أيامًا جاءتني محملة بالفرح والسعادة، ليتراقص لها قلبي طربًا، وأيامًا أخرى كانت غاية في القسوة، لم تكن رحيمة بي.
ومع كل هذا، كانت ما زالت تلك الطفلة تسكنني، تراقبني من بعيد.
كلما ضاقت بي الحياة وبدأ التعب يتسرب إلى روحي، تقترب مني قليلًا، تمسك بيدي وتذكرني أنني ما زلت أستطيع أن أحكي.
لم أكن أسمع صوتها، ولكنني كنت أشعر بها بقربي دائمًا.
كانت تقول لي:
"لا تخافي... اكتبي."
فأكتب.
أكتب أحيانًا عن الحب، وأحيانًا عن الفراق، وأحيانًا عن امرأة تشبهني وأخرى لا تشبهني، عن قلب تشبث بالحياة من جديد بعد أن انكسر.
كنت أكتب وأكتب وأكتب، أفيض بمشاعري على الورق، ثم أنظر بدهشة:
كيف خرج كل هذا من داخلي؟
كانت تنتابني نوبات من الخوف أن تُفهم حكاياتي بطريقة يشوبها بعض الخطأ، فكنت أمزق كل الأوراق، وأبكي على حكايات كتبتها بإحساسي ومشاعري، مزقتها خوفًا من مجهول.
ربما تلك الطفلة لم تلعب بالحكايات كما كنت أظن، بل كانت تدربني عليها.
كانت تجمع منذ سنوات طويلة كل ما تحتاجه الكاتبة التي ستظهر في الحياة يومًا ما، دون أن أعرف.
جمعت الخيال من غرفتي الصغيرة في الطفولة، والفضول من الراديو الذي كنت أفككه، والحكايات من المدرسة والأصدقاء، والضحكات من شقاوتي، والدموع من الأيام القاسية التي مرت بي.
وضعت كل ذلك في قلبي، وقالت لي:
"احتفظي به... سيأتي يوم تحتاجينه."
ولم أكن أعرف أن ذلك اليوم سيأتي فعلًا...
ويكون الدفتر صديقي، والقلم رفيق رحلتي.
بقلم عبير جلال
الإسكندرية
18/8/2026
تعليقات
إرسال تعليق