اكاديمية سلينا لفرسان الادب

/ يَحْمِلُنَا قَارِبُ الْوِصَالِ /
مَا بَيْنَ مَقْهًى صَغِيرٍ يَتَنَفَّسُ بِخُفُوتٍ،

وَفِنْجَانِ قَهْوَةٍ يَبْرُدُ بِحَنَانٍ، 

عَلَى الطَّاوِلَةِ كَشَمْسِ أَفُولٍ تودع الأفق، 

تَتَصَاعَدُ مِنْهُ خُيُوطُ بُخَارٍ رَقِيقَةٌ،

كَأَنَّهَا أَرْوَاحٌ تَتَحَادَثُ....

كَأَنَّ الزَّمَنَ تَنَحَّى جانباً وَأَوْقَفَ عَقَارِبَهُ،

عِنْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ وَحْدَهَا لِيَخْلُدَ بِقُرْبِهَا...

أَمَامَ شُرْفَةِ دَارِهَا،

حَيْثُ تَتَثَنَّى السِّتَارَةُ الْبَيْضَاءُ بِمِشْيَةِ،

عَرُوسٍ تَمِيسُ بِرِقَّةِ نَسِيمِ الْمَسَاءِ، 

كَأَنَّهَا شَفَتَانِ تَهْمِسَانِ لِي بِسِرِّ

إِطْلَالَتِهَا السَّاحِرَةِ، 

كَلَوْحَةٍ تُضِيءُ فِي عَتْمَةِ الرُّوحِ....

أَجْلِسُ فِي زَاوِيَتِي الْهَادِئَةِ، 

كَفَذَرَةِ ضَوْءٍ تَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ الظِّلاَلِ، 

أَتَنَفَّسُ عِطْرَ الْمَكَانِ 

حِينَ يَتَحَوَّلُ صَخَبُ الشَّارِعِ،

فِي قَطْعٍ فَنِّيٌّ إِلَى سُكُونٍ مُقَدَّسٍ،

يُشْبِهُ صَمْتَ النَّوَاقِيسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، 

يَطُوفُ فِي مِحْرَابِ عِشْقِهَا....

أَرْتَقِبُ طَيْفَهَا بِقَلْبٍ يَخْفِقُ كَنَاقُوسٍ قَدِيمٍ، 

مُنْتَظِراً نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ عَيْنَيْهَا،

تَنْسَكِبُ كَقَطْرِ غَيْثٍ عَلَى يَابِسِ الْعُمْرِ، 

تَكْفِي لِتَرْوِيَ قَحْطَ رُوحِي، 

وَتُحْيِيَ نَبْضَ الْحَيَاةِ فِي أَعْمَاقِيَ الْقَفْرِ....

وَمَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ،

حِينَ يَتَدَرَّجُ الضَّوْءُ

مِنْ ذَهَبٍ عَتِيقٍ إِلَى أُرْجُوانٍ نَاعِمٍ،

يَنْسَجُ ضَوْءُ الْمِصْبَاحِ دَرْباً 

مِنْ حَنِينٍ يَشْبِهُ خَيْطَ لُجَيْنٍ،

يُوصِلُ خُطَايَ بَيْنَ مَقْعَدِي وَبَابِ قَلْبِهَا....

تَسْأَلُ الْأَيَّامُ عَنْ طُولِ جُلُوسِي،

كَمَا يَتَسَاءَلُ النَّهْرُ عَنْ سِرِّ ثَبَاتِ الصَّخْرِ، 

وَيَعْلَمُ اللَّيْلُ أَنَّنِي لَا أَحْضُرُ.

إِلَّا لِأَغْرَقَ فِي مَدَارَاتِهَا كَكَوْكَبٍ 

تَهَاءَى فِي فَلَكِهَا...

يَوْمَ تَلْتَفِتُ إِلَيَّ، 

يَهْوِي هَذَا الْعَالَمُ مِنْ عَيْنَيَّ 

كَبِنَاءٍ مِن وَرَقٍ، فِي هُبُوبِ رِيحٍ، 

وَلَا أُبْصِرُ غَيْرَ أَنْ،

أَرْتَمِيَ فِي ذِرَاعَيْهَا كَطِفْلٍ 

تَمَلَّكَهُ الْأَمَانُ بَعْدَ تِيهٍ... 

أَذُوبُ بَيْنَ أَنْفَاسِهَا الدَّافِئَةِ،

كَالسُّكَّرِ فِي كَأْسِ شَايٍ خَرِفٍ،

أَلْمَسُ خَفْقَ قَلْبِهَا بِرِقَّةِ عَاشِقٍ 

مَلَكَ الْكَوْنَ بِأَسْرِهِ....

حِينَ يُرْخِي الْهَوَى سُدُولَهُ عَلَيْنَا،

وَيَبْدَأُ الِاشْتِفَافُ تَدْرِيجِيّاً نَحْوَ بَيَاضِ النُّورِ،

يَحْمِلُنَا قَارِبُ الْوِصَالِ عَلَى أَمْوَاجٍ مِنَ السِّحْرِ،

إِلَى حَيْثُ تَبْتَدِئُ أَرْوَاحُنَا.. أَبَدِيّاً لَا يَنْتَهِي.

( الشاعر روجديار حمي )

عبدالرحمن الجزائري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب