أكاديمية سلينا لفرسان الادب

💫 مَن يكتب 💫
ليس كلُّ من يكتبُ الشعرَ شاعرًا،
فبعضُ الناسِ يصفونَ ما يرون،
أمّا الشاعرُ فيُريكَ ما لا يُرى.
وحين يمرُّ الحبُّ بقلبٍ صادقٍ،
لا يتركُ فيه وردةً واحدة،
بل يُنبتُ بستانًا من الحنين،
ويُعلِّمُ الدموعَ كيف تبتسم،
ويجعلُ الانتظارَ صلاةً،
والذكرى وطنًا لا تغيبُ شمسه.
فإذا سألوكَ يومًا:
ما أثمنُ ما ربحتَ في حياتك؟
فقل:
قلبٌ أحبَّ بصدق،
وكلمةٌ بقيتْ حيّةً
بعد أن صمتَ الجميع.
أمّا أنا...
فظننتُني عالمًا بما يكون،
وما العلمُ منّي بقريب،
وإن تحدّثَ مَن يكونُ عنّي،
ما كفاني،
وإن كتبتُ جميعَ الحروف،
ظللتُ أشعرُ كأنني لم أكتب.
كلُّ كلمةٍ أكتبها
خرجتْ من واقعِ الحال،
وكلُّ حرفٍ تعلمتُه
كان ثمنُهُ من الحياةِ وقسوتِها،
فما أنا بمنظّرٍ للحب،
ولا بفيلسوفٍ يعرفُ أسرارَ القلوب،
أنا رجلٌ تعلّمَ من جراحه
كيف يكتبُ عنها.
والقلبُ الذي فاتني،
ما زال قلبُهُ في صدري يسكن،
كأنَّ الفراقَ لم يستطع
أن يُخرجَهُ منّي،
وكأنَّ بعضَ الذين نحبُّهم
لا يرحلونَ حين يرحلون،
بل يبقونَ فينا
أكثرَ ممّا كانوا معنا.
يا ليتني ما كنتُ شاعرًا،
ولا عاقرتُ الكلماتِ بإدمان،
ولا تعلّقتُ بالحروفِ بهذه اللهفة،
ويا ليتني ما تعلّمتُ الأبجدية،
ولا أجدتُ نظمَ الأبيات،
فقد عجزتُ، رغم كلِّ ما أملكُ من الكلمات،
أن أكتبَ الكثيرَ عنّي.
لي في الكلماتِ باعٌ طويل،
ولي مع الحروفِ حكايات،
لكنّي حين أصلُ إلى نفسي
تتلعثمُ الأبجدية،
وتضيقُ اللغة،
ويصبحُ ما في القلب
أكبرَ من أن تحتويه القصائد.
أكتبُ عن الحبِّ كثيرًا،
لكنّي لا أستطيعُ أن أكتبَ
كيف أحببتُهُ أنا.
أكتبُ عن الحنين،
ولا أجدُ حرفًا يصفُ حنيني.
أكتبُ عن الفقد،
ثم أكتشفُ أنني لم أقلْ شيئًا
عن ذلك المكانِ الذي تركهُ الغيابُ في صدري.
كلُّ الذين قرؤوا كلماتي
ظنّوا أنني أعرفُ ما أقول،
وأنني أملكُ مفاتيحَ الشعور،
ولم يعلموا أنني أكتبُ
لأنني عاجزٌ عن الكلام.
الشعرُ عندي ليس ترفًا،
ولا زينةً تُعلَّقُ على جدارِ الكلام،
إنه اعترافٌ مؤجّل،
وصوتُ قلبٍ لم يجدْ طريقًا آخرَ للنجاة
إلّا أن يسكبَ نفسهُ على الورق.
ولهذا...
كلّما انتهيتُ من قصيدة،
شعرتُ أنني لم أقلْ شيئًا،
وأن بيني وبين الحقيقة
قصيدةً أخرى لم تُكتب.
وربما لهذا السبب
أظلُّ أكتب...
لا لأنني أعرفُ ماذا أقول،
بل لأنني ما زلتُ أبحثُ عن الكلمات
التي تستطيعُ أن تقولني.
فأنا لستُ شاعرًا لأنني أجيدُ الحروف،
ولا لأنني أستطيعُ أن أملأَ الصفحاتِ بالقصائد،
إنما أنا شاعرٌ
لأن في داخلي شيئًا
لم يستطعِ الصمتُ أن يحتملَه.
وكلُّ ما كتبتهُ حتى اليوم
ليس إلا محاولةً واحدةً طويلة
لأقولَ شيئًا واحدًا:
أنني كنتُ أريدُ أن أكتبَ عنّي...
فكتبتُ عن كلِّ شيءٍ سواي.
وما زلتُ أكتب...
لعلّي في قصيدةٍ قادمة
أعثرُ على ذلك الحرفِ
الذي ضاعَ منّي،
فأكتشفُ أخيرًا
أنني لم أكن أبحثُ عن قصيدة،
بل كنتُ أبحثُ عنّي.
بقلمى كارم الطير،،،،


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب