أكاديمية سلينا لفرسان الادب

تحت المنظار
انتبه... أنت تحت المنظار.
لم يعد مطلوبًا منك أن تكون إنسانًا، بل أن تحافظ على الصورة التي صدّقها الآخرون عنك. منحك الناس صورة، ثم أخذوا منك حق تغييرها.
إن ظهرت قويًا، صار ضعفك موضع سؤال. وإن اعتادوا صبرك، أصبح تعبك بحاجة إلى تفسير. وإن عرفوك ثابتًا، صار اضطرابك علامة على شيء آخر.
وهكذا تبدأ المراقبة؛ لا أحد يقف خلفك بالضرورة، لكن عيون الآخرين تستقر في داخلك، حتى تتحول إلى عين تراقبك من الداخل.
قبل أن تتكلم تسأل: كيف سيفهمونني؟
وقبل أن تغيب: ماذا سيقولون؟
وقبل أن تعترف بتعبك: هل سيُساء تفسيره؟
فتفقد شيئًا أخطر من حريتك: عفويتك.
تصبح حياتك محكمة لا تنعقد إلا في رأسك؛ مرضك تخفيه، حزنك تحسبه، غضبك تبرره، وخطؤك تدافع عنه.
نحن أحيانًا نصنع للإنسان تمثالًا من توقعاتنا، ثم نغضب حين نكتشف أنه من لحم ودم. نرفع بعض الأشخاص إلى مكانة عالية، ثم نعاقبهم لأنهم لم يستطيعوا البقاء فيها.
كنت كريمًا، فلماذا امتنعت؟
كنت صبورًا، فلماذا غضبت؟
كنت قويًا، فلماذا انهرت؟
ولا أحد يسأل: ماذا حدث للإنسان خلف هذه الصورة؟
فالإنسان ليس موقفًا واحدًا ولا شخصية ثابتة؛ إنه يتغير، يتعب، يخطئ، ويتعلم. ومن لا يمنحه الآخرون حق التغير، يحوله إلى سجين لتاريخه.
لكن الأخطر أن تبدأ أنت بمراقبة نفسك بعين الآخرين. عندها لا تحتاج إلى سجن؛ يكفي أن تحمل السجّان في رأسك.
النضج الحقيقي أن تسترد حقك في ألا تكون مفهومًا دائمًا. أن تقول: «لا أعرف»، وأن تعترف: «تعبت»، وأن تخطئ دون أن تجعل خطأك تعريفًا نهائيًا لك.
فالحرية ليست أن يتوقف الناس عن النظر إليك؛ فهذا مستحيل.
الحرية أن تتوقف عن منحهم حق تعريفك.
دعهم يرون ما يرونه.
أما أنت، فاعرف أنك أوسع من عين تراقبك، وأعمق من ظن يحيط بك، وأصدق من صورة لم تخترها أصلًا.
عش بحيث تستطيع، حين تُغلق الأبواب وتسقط كل المناظير، أن تنظر إلى نفسك دون خوف.
فأخطر ما يفعله المنظار بالإنسان ليس أن يكشفه للآخرين...
بل أن يجعله يخاف من نفسه.
 احمد جلال بكري

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب