أكاديمية سلينا لفرسان الادب
«وبكيتُ من أعماقي… لأنّ الحياة اختبرت صبري بطريقةٍ قاسيةٍ جدًا، ولعدم معرفتي كيف أُرمم انكساري…
بكيتُ لأنني تعبتُ من دور الرجل الذي لا يهتز، ومن الأيام التي كانت تنهش من روحي في كل مرة، ثم تطلب مني أن أقف صلباً كأن شيئًا لم يكن.
كنتُ أظن أنني قوي، لأنني عبرتُ معارك كثيرة… حتى أدركتُ أن العبور لا يعني الشفاء، بل يعني أننا تعلّمنا كيف نرتدي قناع التماسك ونخفي نزيفنا الداخلي عن العيون.
كنتُ سنداً لكل من مال، وأقول لمن ضاقت به الأرض: استند إليّ، غداً يزول الضيق…
لكنني حين احتجتُ كتفاً لألقي عليه رأسي المثقل، لم أجد أحداً.
وقفتُ أمام طاقة تحمّلي طويلًا، أبحث عن بقايا بأسٍ أواجه به الغد، فلم أجد إلا شتاتاً.
وهنا بكيت…
بكيتُ على نفسي التي ظلمتها كثيراً كي أظلَّ الملاذ الآمن للجميع. على كل مرةٍ ابتسمتُ فيها ببرود، وكان في أعماقي بركانٌ يوشك أن ينفجر.
بكيتُ لأنني لم أكن أحتاج إلى معجزة… كنتُ أحتاج فقط إلى مساحةٍ صغيرة أخلع فيها درعي، إلى صوتٍ صادقٍ يقول لي: لستَ مضطراً لتكون بطلاً طوال الوقت، ارتح قليلاً ودعني أحمل عنك الحمل.
لكن لم يلتفت أحد.
فاضطررتُ أن أجمع أشلائي بنفسي، وأنا الذي ما عدتُ أعرف أين أضع خطوتي التالية.
وأقسى ما في الأمر أنني لم أبكِ من وطأة الثقل فقط…
بكيتُ لأنني عشتُ طوال العمر في وضع المقاومة، حتى نسيتُ كيف يتنفس المرءُ دون خوفٍ من السقوط.
لقد تعبتُ من أن أكون الرجل الذي يُتوقع منه أن ينجو دائماً، من أن أدفن انهياري خلف صمتي، ومن أن أعود كل ليلة بصدرٍ مكتظٍ بكل الغصات التي لم يرحمها الكبرياء.
وفي تلك الليلة فهمتُ حقيقةً موجعة…
أن المرء قد يصل إلى مرحلةٍ لا يبحث فيها عن مجدٍ أو نصر، ولا يخشى الهزيمة…
كل ما يريده هو هدنةٌ قصيرة يتوقف فيها الصراع.
لذلك بكيتُ من أعماقي، وخلعتُ كبرياء الصمت؛ فكانت دموعي هي صرختي الوحيدة بعد أن عجزت الكلمات عن وصف الخراب الذي بداخلي.
ولأول مرة… لم أطلب من الأيام أن تبتسم لي،
طلبتُ فقط أن تمنح قلبي المتعب لحظةً ليلتقط فيها أنفاسه، قبل أن يهوي جدار الصبر تماماً».
بقلمي المتواضع ابو عادل وجيه الحاج خليفة
تعليقات
إرسال تعليق