اكاديمية سلينا لفرسان الادب
قَلَمي
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
&&&&&&&&&&&
قضيتُ عُمري مع قلمي،
فما كان قلمي يومًا خشبةً
تُغمس في الحبر ثم تُرفع،
ولا كان حروفًا تُصفُّ على الورق
ثم تُنسى...
كان جنديَّ المجهول،
ورفيقَ خوفي،
وصوتي حين يخونني الصوت.
حملنا السّلاح معًا،
لا لنقتل إنسانًا،
بل لنقتل الخوف
الذي كان يقتل الإنسان.
دافعنا عن العز،
عن الحبّ،
عن الكرامة،
عن وطنٍ
كان ينزف بصمت
ويُخفي جراحه تحت ثيابه.
في زمنٍ
ساد فيه الرّعب
وصار الخبز أمنية،
والأمان حلمًا،
والكلمة قد تكلّف صاحبها رأسه...
كان قلمي واقفًا إلى جانبي،
شامخًا،
كجنديٍّ شجاع
لا يعرف كيف ينحني.
كان هناك عدوٌّ
يطلب رأسي،
وكان القلم يضع يده في يدي
ويقول:
اكتب...
فالخوف لا يعيش طويلًا
أمام كلمةٍ صادقة.
تارةً كان يصرخ،
حتّى ترتجف جدران الصمت.
وتارةً كان يقف سدًّا
بين شعبي
وبين الذّل والعار والموت.
وتارةً
كان يبلّط الطّريق بالحروف،
ويمهّد دربًا
لزرع الحبّ
في قلوب أبناء الوطن.
لم يكن قلمي يعرف
لونًا للحبر
غير لون الحقيقة.
ولذلك،
كلما أردت أن أكتب مقالًا،
أو قصّة،
أو قصيدة...
كنت أضع العدل أمامي.
أُجلسه على كرسيّ القلب،
وأقف أمامه
كما يقف القاضي الشّريف
أمام ضميره.
أزن الحرف حرفًا بحرف،
والمعنى معنى بمعنى،
وأقيس وقع الكلمة
قبل أن أتركها تمضي
إلى الناس.
أسألها:
ماذا ستفعلين
إذا وصلتِ إلى قلبٍ مكسور؟
هل ستداوينه
أم تزيدين جرحه؟
ماذا ستفعلين
إذا وقعتِ في يد مظلوم؟
هل ستكونين له صوتًا
أم خنجرًا جديدًا؟
وماذا ستفعلين
إذا صرخ الوطن؟
هل ستصمتين؟
أم تقفين
في الصف الأول
مع الذين لا يملكون
غير أصواتهم؟
كنت أزن تأثير الحروف،
وأزن قبولها،
وأزن صداها
حين تصرخ،
حين تتألّم،
حين تبكي...
لأنّني تعلمت
أنّ الحرف ليس بريئًا دائمًا،
وأن كلمةً واحدة
قد تبني إنسانًا،
وقد تهدم عمرًا كاملًا.
ولهذا
كان العدل شعاري،
وكان العدل
شعار قلمي.
وحين أتعب...
حين يغلبني الليل،
حين أغفو فوق أوراقي،
حين تفقد القصيدة
زمامها من يدي...
أترك القلم وحده.
فيمضي...
يمشي بين السطور
كما يمشي العارف
في طريقٍ لا يضلّه.
يكتب عني
ما عجزتُ عن قوله،
ويفتح أبوابًا
لم أجرؤ على طرقها،
ويكشف في داخلي
أشياء كنت أخبئها
حتّى عن نفسي.
وحين أستيقظ...
أجد القصيدة قد اكتملت.
أقرأها
فأندهش.
أقول:
من كتب هذا؟
أنا؟
أم قلمي؟
فيبتسم الصمت
من فوق الورق...
وأفهم،
بعد عمرٍ طويل،
أنّني لم أكن أملك القلم...
بل كان القلم يملك شيئًا مني.
أنّ يدي
لم تكن تقوده دائمًا...
ففي بعض الليالي
كان هو الذي يقودني
إلى نفسي.
يا قلمي...
يا آخر ما بقي لي
حين يتعب الكلام،
ويا أوّل ما أبحث عنه
حين يضيق صدري...
إن سألوني يومًا:
ماذا تركتَ خلفك؟
فلن أقول مالًا،
ولا بيتًا،
ولا مجدًا عابرًا...
سأضع قلمي فوق الطاولة،
وأقول:
تركتُ حروفًا
حاولتُ أن تكون عادلة،
وقلبًا
لم يتعلّم الكتابة إلا
حين تعلّم أن يحب الإنسان.
فإن بقي منّي شيء...
فليكن حرفًا
لا يخجل منه اليتيم،
ولا يخافه المظلوم،
ولا يتبرأ منه الوطن.
وليكن قلمي...
حتّى آخر العمر...
واقفًا إلى جانبي،
كجنديٍّ شريف،
يحرس الحقيقة
حين ينام الجميع.
بقلم
السفير عبدالصاحب أميري
عبدالصاحب الأميري
تعليقات
إرسال تعليق