أكاديمية سلينا لفرسان الادب

خميرة الحجر
أمس فتحت نافذتي بعد المطر، رائحة التّراب المبلّل ،دخلت الغرفة كأنّها ضيف يعرف المكان جيّدا ،أطراف أصابعي كانت باردة من زجاج النّافذة، كوب الشّاي على الطاولة فقد بخاره ولم أعد أتذكّر متى تركته، وقفت أنظر لقطرة ماء تتدلى من ورقة شجرة ثمّ تسقط، وفكرت في كلّ واحد فينا يحمل شيئا لا يراه أحد.
التراب لا يصير حيّا لأنّه قويّ، يصير حيّا لأنّ فيه بذرة صغيرة جدّا لا توافق على أن تبقى نائمة، قطرة ماء واحدة، لا صوت، لا صراخ، لا بيان ،فقط لمس صامت في العمق، وهذا بالضّبط ما علمتنا إيّاه فلسطين، أنّ الثّورة الحقيقية لا تحتاج أن تكون صاخبة، أحيانا تكون يدا تغسل قميصا.
الحجر هناك ذاكرة، والمفتاح الصدئ ليس حديدا ميّتا، بل باب لم يمت بعد، ربّما أكون مبالغة هنا، لكنّي أصدّق هذا من كلّ قلبي، البيت ليس أربعة جدران وسقفا، البيت قلب أمّ ما زالت تغسل قميص طفلها من الغبار ، وتقول بصوت هادئ جدّا: سيعود النّهار، لا تصرخ، لا تبكي أمام الكاميرات، فقط تغسل القميص، وتطويه، وتضعه في مكانه، وتنتظر، وهذا الانتظار ليس ضعفا، هذا ما أسميه خميرة الحجر، شيء حيّ صغير مختبئ في أصعب مادة على الأرض، يرفض أن يتوقّف.
فلسطين ليست دما فقط، وليست قبرا، وليست خريطة مرسومة على جدار غرفة صفّ يشرحها معلم متعب، فلسطين امرأة تجلس على الأرض ،وتجمع شظايا نافذتها دون ملل، ليس لأنّها تريد إصلاح الزّجاج، بل لتعرف من أين سيأتي النور غدا ،وطفل يجلس بجانبها يسألها: هل انتهت الحرب؟ فتقول: لا أعرف، لكنّنا سنبني جسورا، لا تقول له سنعيش في سلام، لا تكذب عليه، تقول سنبني، لأنّ البناء هو الجواب الوحيد الذي لا يكذب.
ولا تطلبوا من المنهك أن يصرخ، يكفيه أنّه نهض،" نهض" هذه وحدها معجزة، نحن نعرف أناسا ذاقوا ألما لا يوصف ولم يحوّلوا جرحهم إلى سيف على غيرهم، وهذا في نظرنا أشجع شيء في العالم، أن تتألّم ولا تؤذي، أن تنزف ولا تلوّث، أن تحمل في صدرك كلّ هذا الخراب وتختار أن تزرع.
نحن فلسطين، نقولها بدون خجل وبانحياز كامل لأنّنا بشر قبل كلّ شيء، لا نريد للدّم أن يكون آخر كلمة في حكايانا، نريد زيتونة تقاوم الرّيح بجذورها لا بأغصانها، وطفلا يرسم شمسا فوق ركام حارته بألوان شمعية مكسورة، نريد أمّا تترك بابها مفتوحا لمن تأخّر في الطّريق لأنّ الحبّ لا يغلق أبوابا، وقلبا لا يغلقه الخوف أبدا، نريد يدا تمسك يدا وترفع حجرا وتبني مع أخيها بيتا من الحروف ، بيتا لا تهدمه طائرة ولا يجفّفه حصار. 
الغد ليس وعدا يهبط من السّماء مثل مطر، ولا معجزة ننتظرها ونحن جالسون نعد الأيّام، الغد يد تصنع الحياة الآن، في هذه الغرفة. في تلك الحارة. تحت ذلك الرّكام. وفي كلّ مكان يجلس فيه إنسان ويقرّر ألاّ يستسلم، وقلب يقول للمنهك: انهض..انهض..الطّريق ما زال طويلا طويلا، لكنّك لست وحدك فيه، ولم تكن وحدك يوما، 
فلسطين علّمتنا، أنّ البقاء ليس أن ينجو جسدك، من الموت فقط، البقاء أن تبقى إنسانا حين يحاول الخراب، أن ينتزع منك كلّ ما يجعلك إنسانا، أن تبقى تغسل قميصا، وتجمع شظايا، وتترك بابا مواربا، وترسم شمسا على ركام، وتحبّ، رغم كلّ شيء، تحبّ. هذه هي الثّورة التي لا يهزمها أحد.
فلسطين جرح، نعم، لكنّها جرح لا يريد أن يكون قبرا، ولا نهاية للحكاية، تريد أن تصير شجرة،وظلا، وطفلا يضحك، ووطنا، وبداية.
ولست مطالبا بأن تحمل العالم على كتفيك، أو أن تكون بطلا لكي تنتمي لهذه الحكاية ، يكفي أن بابك موارب.

الأديبة الشّاعرة الجزائرية زهرة بن عزوز

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب

اكاديمية سلينا لفرسان الادب